يشكو بعض الآباء من أطفالهم. فيقول أحدهم: "إن ابني عنيد لا يسمع لنا كلاماً، ولا يطيع لنا أمراً!!". ويقول آخر: "لا خير في هذا الجيل، لا يفعل إلا ما يريده!!". ويقول ثالث: "ابني مثل الجدار، مهما كلمتُه لا يرد!!".

فلماذا يا ترى نجد مثل هؤلاء الأطفال العنيدين؟ وكيف نأخذ بأيديهم لكي يتخلّصوا من هذا العناد المقيت؟.

نقول عن الولد إنه عنيد، إذا خالف ما يُطلب منه فعله، سواء في البيت أو في المدرسة، ويفضل هذا الولد رأيه على رأي الآخرين ويصر على موقفه ولو كان باطلاً، ولا يتنازل عما هو فيه، لينفذ عملاً آخر لا يستهويه.

كأن نناديه فجأة -متبأمر قسري- ليترك لعبته التي يحبها وينسجم معها لينفذ ما نطلبه ونرغبه، عندها سيرفض فوراً، ويتابع لعبه متحملاً النتائج. ومثل ذلك إذا طلبنا منه ترك اللعب، والشروع بالدراسة وكتابة الواجبات المدرسية، عندها سيخترع الأكاذيب والأعذار ليبقى على ما هو عليه من الاستمتاع واللهو.

ويظهر العناد -أكثر ما يظهر- في سن الخامسة عندما ينفتح الطفل على الآخرين، وتصبح له علاقات مع أبويه وإخوته و أصدقائه. وكي يثبت ذاته وشخصيته يلجأ أحياناً للعناد.

وكذلك في سن الرابعة عشرة، عندما يدخل مرحلة المراهقة التي يتمرد فيها كثير من المراهقين عما حولهم.

ومن صور التمرد والعناد: مخالفة التقاليد والأعراف والتوجيهات وعدم الاكتراث بها.

إن فترة العناد في الخامسة والرابعة عشرة قد لا تطول، ولكن بعض الأطفال قد يكون عندهم عناد متواصل.

 

فما هي أسباب العناد ودواعيه؟

أسباب العناد

إن العناد يظهر لدى الأطفال الذين لديهم حب الظهور والتعالي وميل للتكبر على من حولهم، أو أن عنادهم ناتج عن مرورهم بمشكلات تتعلق بالدراسة أو الأصدقاء أو بتأثير من يتطاول عليهم، أو فشل مروا به، أو بسبب تحدٍ للسلطة المسؤولة عنهم، أو بسبب أمور أخرى. وقد يكون العناد ناتجاً عن سوء تصرف الوالدين، إذ يطلبون من أولادهم طلبات سريعة أو طلبات متعددة دفعة واحدة، قد لا تكون بمقدورهم فعلها، وقد قيل: "إذا أردت أن تطاع فأمر بما يُستطاع".

أو يقدم الآباء أمراً غامضاً مبهماً لا يفهمه الطفل، ولا يقتنع به، أو يدعونه لفعل أشياء لا ضرورة لها.

ومن الأمور التي تدفع الطفل للعناد، أمره بأشياء لا يحبها ونهيه عن أشياء يحبها، كأن ننهاه عن اللعب أو السباحة أو النزهات وغيرها من الهوايات التي يحبها.

فقد يكون الطفل منهمكاً مع ألعابه يحادثها وتحادثه، فتدعوه الأسرة للطعام فلا يرد -ولا سيما إن لم يكن جائعاً- لأن لذته في اللعب أكبر من لذته في الطعام. وربما يدفع الدلال إلى العناد، فالأسرة التي تعوّد طفلها على إعطائه كل شيء والاستجابة لأمره وطلباته، ينشأ متواكلاً على من حوله، فإذا أرادت الأسرة -في يوم من الأيام- منه أن يقوم بعمل من الأعمال، تثاقل وتكاسل ورفض الأوامر، لأنه لم يتعود على القيام بالمهام والواجبات، فيعاند لأنه مقتنع بأن الأسرة لن تجبره على شيء، لأنه مدلل.

وإذا شبّ الطفل على هذه الشاكلة فسيكون إنساناً ضعيف الشخصية يتردد ألف مرة عند القيام بأي عمل يطلب منه في حياته.

وقد يكون العناد بسبب مرض طارئ أو عاهة دائمة عند ذلك يحتاج الأمر إلى استشارة الطبيب.

 

تلطيف ظاهرة العناد

إذا لم نستطع أن نقتلع العناد من الطفل، فما علينا إلا أن نلطف منه (أي نخففه) كي لا يشكل ظاهرة سلبية في تصرفاته، تؤدي إلى عدم التفاهم والانسجام ما بين الأسرة والطفل.

ولكي نلطف ظاهرة العناد لدى أطفالنا، يُحبّذ أن نزيل الأسباب السابقة التي أدت إلى العناد.

كما يستحب منا أن نتلطف في طلباتنا، فبدل أن نزجر الطفل ونردعه بقولنا: "رتب أشياءك وكف عن اللعب يا...!".

نتوجه إليه بقولنا: "هيا لنرتب أشياءك فالترتيب مفيد وجميل"، ويكون الطفل أكثر استجابة إذا قلت له: "رجاء السكوت، فالهدوء أفضل من الجلبة" مما لو وجهت له الأمر بغلظة قائلاً: "كدت أجن من هذه الجلبة".

كما يستحسن التلطف بالقول والطلب، ويستحسن عند تنفيذ الطفل لهذا الطلب أن نبادر إلى مدحه ومكافأته، لأنه استجاب لنا ولم يرفض ما طلبناه منه، وهذا يشجعه على الامتثال لأوامرنا. وأن لا نغيّر مواقفنا، كأن نسمح له مرة بشيء، ثم ننهاه عنه في وقت آخر، وأن نجدد ما نطلبه منه، وأن يكون واضحاً غير مبهم.

ولا نبالغ في استعجال الطفل في الاستجابة لطلباتنا، كأن نردد على مسامعه "أسرع .. أسرع" ولا نلجأ للتهديد والوعيد، إن هو لم يفعل ما نأمره، وأن لا نشهّر به أمام الملأ ونقول عنه: "إنه عنيد".

 

التوجه إلى الطفل

إننا إن استطعنا أن نربي أطفالنا على حب الآخرين والتعايش معهم والانخراط في الجماعة والتعاون والتواصل معها، عند ذلك سيقلعون عن العناد من أنفسهم.

ومن الخطوات التي تحقق لنا ذلك، وتجعل أطفالنا متجاوبين وإيجابيين مع من حولهم، أن نقنعهم بنفع ما نأمرهم به، وضرر ما ننهاهم عنه بأساليب يفهمونها، وندعوهم للبذل والطاعة ومساعدة الآخرين باندفاع وحب، ونبين لهم ثمرات طاعة الوالدين والمعلمين والأصدقاء، وبخاصة في طلب ما هو مفيد ونافع.

وأن نشجع أطفالنا على اللعب مع أقرانهم والتحلي بصفة الإيثار، وتقديم المعونة للمحتاجين، ونربي أطفالنا على مواجهة الغرباء والتعرف عليهم وتحسين المواقف معهم. وإلى جانب ذلك كله أن نمنح أطفالنا الأمن والثقة بأنفسهم، ونغمرهم بالمحبة. فالطفل يرغب في "أن يُحبّ ويُحَبّ" فإذا حصلت هذه العلاقة سارع الطفل إلى تلبية ما نريد منه "فإن المحبّ لمن يحب مطيع".

إن التوجه إلى الأطفال العنيدين بحكمة وتفهم، يجعلنا ننجح في تلطيف ظاهرة العناد عندهم، وإبعادها من حياتهم.

ويجب علينا أن ندرك أن الإكثار من الأوامر والنواهي ليس من حقنا، ولا سيما في سن الطفولة التي لم يكلف فيها الإسلام الأطفال شيئاً من الفرائض، بل استحسن أن ندربهم عليها تدريباً، كأن نعلمهم الصلاة وهم أبناء سبع، فحياة الطفل ميدان للحرية والانطلاق واللعب والتعرف على الأشياء الجميلة والجذابة، بعيداً عن القيود والعراقيل المُنغّصة لنفوسهم الطاهرة البريئة.