العلاج بالنباتات الطبية ومحاذيرها

العلاج بالنباتات الطبية ومحاذيرها

الدكتور طلال ابو رجيع
2012-05-03

عرف الإنسان منذ فجر التاريخ الأعشاب الطبية وفوائدها العلاجية المختلفة، فقد برع الصينيون والمصريون القدماء في علم التداوي بالأعشاب؛ حيث استخدموا العديد من هذه الأعشاب في علاج الكثير من الأمراض بالإضافة إلى استخدامها في التحنيط، وكذلك في أمور الزينة والتجميل، مثل نبات البلادونا (ست الحسن) الذي استخدمته النساء بكثرة لتوسيع حدقة العين.

وفي العصور الإسلامية انتشر علم التداوي بالأعشاب، وظهرت الكثير من الكتب والمخطوطات التي تشرح بصورة واضحة أنواع الأعشاب الطبية المختلفة وطرق استخدامها وأنواع الأمراض المختلفة التي تستخدم فيها مثل هذه العقاقير الطبية مثل: تذكرة داود، وكتاب الطب لابن سينا، وغيرهما من العلماء الأكْفَاء الذين كانت تدرس كتبهم لعدة قرون في المعاهد العلمية الأوربية.

وبالرغم من التطور الهائل في علم الأدوية وظهور أعداد هائلة من الأدوية في شتى مجالات العلاج وخاصة خلال القرن المنعدم، فإن الحقبة الماضية شهدت عودة إلى استخدام الأعشاب الطبية في علاج الأمراض كواحدة من أهم أفرع الطب البديل، ولا يقتصر الاهتمام بالتداوي بالأعشاب على الدول المتقدمة بل تعداها إلى الكثير من بلدان العالم النامي.

وتتنوع طرق استخدام الأعشاب الطبية من استخدام منقوع أو مغلي النبات الكامل إلى استخلاص المواد الفعالة واستخدامها في صور تراكيب صيدلية مختلفة، وتعد العودة لاستخدام النباتات الطبية في العلاج هي عودة للطبيعة، خاصة وأن العقاقير التخليقية لها أعراض جانبية متعددة مقارنة بهذه الأعشاب.

لا يحق لغير المختص صنع اي دواء عشبي حيث ان نسب الاعشاب الموجودة في المستحضر المقنن تكون بالميليجرامات او بالميكروجرامات بينما يستعمل العطارون والاطباء الشعبيون في تحضير خلاطاتهم حفنة اليدين او قبضة اليد او ملء الفنجان كنسب في تحضير وصفاتهم، وهنا يكمن الخطر.

هذه المجاميع الكيميائية التي تحدثنا عنها هي المواد التي يعزى اليها التأثير الدوائي ولكي تحضر أي خلطة عشبية لابد وان يكون الشخص القائم على تحضير الخلطة ملماً تماماً بهذه المجاميع ونسبها ومقدار النسبة التي يفترض ان تكون في الوصفة وكذلك معرفة التداخلات الدوائية التي يمكن ان تحدث بين مركب كيميائي في مجموعة معينة مع مركب كيميائي في مجموعة كيميائية اخرى لا سيما إذا كانت الوصفة أو الخلطة مكونة من عدد من الاعشاب وتحتوي على أي نسبة ضئيلة من الرطوبة، حيث ان هذه التداخلات قد تنتج مركباً جديداً لا يوجد في أي من المجاميع التي حصل فيها التفاعل وقد يكون هذا المركب نافعاً أو قد يكون قاتلا أو ربما يسبب تلفاً للكبد أو فشلا للكلى أو دماراً للبنكرياس الذي يفرز الانسولين أو يسبب العقم أو سيولة الدم أو تجلط الدم أو احداث سرطانات بأي عضو من أعضاء الجسم.

وعليه فإن قيام العطارين والاطباء الشعبيين بتحضير خلطات وهم لا يعرفون اساساً ما المجاميع التي تحتويها الاعشاب الداخلة في تركيب الخلطة يعد خطأ جسيماً يجب ان يحاسبوا عليه لانهم دخلوا في اسرار لا يعرفها إلا المختصون وهم مع الأسف لا يعرفون عن هذه التداخلات أي شيء وبالتالي يكون المتضرر هو المريض الذي يستعمل هذه الخلطة و سنضرب هنا مثالا على خلطات التخسيس و التي قد تسبب الفشل الكلوي وتلف الكبد وسرطان القولون!!

  فقد كثرت في الآونة الأخيرة أدوية التخسيس العشبية وغير العشبية وأصبحت أسواقنا مليئة بهذه الأدوية منها المقنن والمسجل ومنها غير المقنن والمروج.. مئات من هذه الأدوية تباع في محلات العطارة، والمراكز التجارية  

بتحليل كثير من هذه المستحضرات اتضح احتواؤها على مواد تسبب الفشل الكلوي والبعض الآخر وجد انها تحتوي على مواد كيميائية نباتية تدعى مجموعة القلويدات البايروليزيدنية والتي تسبب تلف الكبد والبعض الآخر وجد انه يحتوي على مجاميع كيميائية تسبب فشل البنكرياس، لكن الأدهى من ذلك وجود مواد عشبية في تلك الأدوية تسبب سرطان القولون وأمراض القولون المختلفة.. ووجد أيضاً ما يسبب تقرحات الأمعاء والمعدة والاثني عشر.. والسؤال كيف يحصل ذلك، هل هذه المواد أضيفت عن قصد أم من باب أن الأعشاب ما دامت من صنع الخالق عز وجل فإنها إذا ما أفادت ما أضرت.. هذه المقولة يتناقلها الجهلاء من العطارين ومن المداوين الشعبيين ومع الأسف حتى من بعض من يدعون أن لديهم خبرة في الأعشاب، فقد لاحظت في قنوات فضائية كثيرة من المعالجين الشعبيين الذين يدعون أنهم خبراء في العطارة يتبجحون ويقولون ان الدواء العشبي إذا ما أفاد فإنه لن يضر، وهذا في الحقيقة عين الجهل.. إن الغطاء النباتي الذي يغطي جزءاً كبيراً من سطح الأرض مليء بالنباتات السامة الفتاكة فهناك بذور لبعض النباتات يكفي منها بذرتان فقط لقتل إنسان( الخروع) وهناك جذور نبات يكفي منها ربع جرام لقتل إنسان (العنصل) وهناك أوراق يكفي منها ورقتان إلى ثلاث أوراق لقتل انسان (الدفلى) فأين المقولة التي يدعيها هؤلاء الدجالون..

إن جهل هذه الفئة بمحتويات النباتات الكيميائية وقيامهم بما هب ودب من نباتات يسمعون عنها أو يقرأون عنها في كتب الطب الشعبي القديمة والتي كانت توصف للمرض دون علم بمحتوياتها الكيميائية لأنه لم يكن معروفاً في وقتها محتويات تلك النباتات ولكن بعد تطور العلم واستعمال التقنية الحديثة عرفت مركبات النباتات الكيميائية وفصلت على هيئة مركبات نقية وعرفت أعراضها بعد أن جربت على حيوانات التجارب وعلى الإنسان سريرياً..  

لقد تطور الأمر الى غش هذه الأدوية الشعبية بمواد كيميائية تخفض الوزن مثل بعض المنشطات التي تضاف الى أدوية التخسيس وفعلاً يوجد بعض المنشطات التي لها صفة تخفيض الوزن ولكن يجب أن تؤخذ تحت رعاية طبية وتحت اشراف المختصين لأن اضافة مثل هذه المواد دون ذكرها على محتويات المستحضر قد تسبب الادمان و ارتفاع مفاجئ في ضغط الدم.

 

إن المريض يشتري مثل هذه الأعشاب على أنها أعشاب وأنها لا تحتوي على مواد كيميائية قد تضر بصحة الإنسان. حتى بعض مخفضات الوزن المقننة والمسجلة وجد أن بعضاً منها يحتوي على الرصاص.. ، وهناك أمثلة كثيرة لم تكتشف بعد والناس يستخدمونها على أنها مستحضرات آمنة ولا تضر بصحة الإنسان. هناك حالات حدثت لشباب لم يتعدوا الثلاثين سنة من اعمارهم اصيبوا بالفشل الكلوي من جراء استخدام وصفات عشبية وصفت لهم من معالجين شعبيين ومن عطارين من داخل المملكة ومن الدول المجاوره وبعد تحليل هذه الوصفات اتضح فعلاً أنها تسبب الفشل الكلوي. ان العديد من الخلطات المستخدمه لتخفيف الوزن تحتوي على سنامكي أو الراوند وهي تحتوي على مواد الانثراكينون المسببه لسرطان القولون على المدى البعيد كما انها تؤدي الى نقص حاد في تركيز البوتاسيوم في الجسم.

 

لذا فإني أنصح الأشخاص الذين يرغبون في تخفيض أوزانهم أن يبتعدوا عن هذه الخلطات وأن يلتزموا بالحمية وبالرياضة وعدم استخدام أي خلطة عشبية خاصة بتخفيض الوزن من محلات العطارة أو من المعالجين الشعبيين أو من المروجين أو عن طريق الدعاية عن هذه المستحضرات في بعض القنوات الفضائية التي هي من الدعايات المضللة وأكبر هم لها هو حصد المال دون التدقيق فيما قد يترتب على هذه الدعاية من أضرار للانسان.. ان التداوي بالاعشاب الطبيه هو علم قائم بحد ذاته و لا يتقنه الا اهل الاختصاص فحذار من المرتزقه و يا حبذا لو تأكدنا من هوية و مؤهلات الذين يطالعوننا على الفضائيات ليل نهار فكثير منهم لا يعلمون شيء عن ماهية المرض الذي يصفون له شتى انواع الادويه.

ولنا لقاء اخر

هل تريد التحدث الى طبيب الآن ؟

شارك المقال مع اصدقائك ‎


عميد كلية الصيدلة - الجامعة الأردنية
1 2 4