متلازمة بكاء (مواء) القط

متلازمة بكاء (مواء) القط

الدكتور جابي كيفوركيان
2011-10-17


 

تنتمي متلازمة بكاء (مواء) القط Cat Cry Syndrome الى مجموعة من الاضطرابات الجينية (المورثاتية) Genetic، المصحوبة بتخلف عقلي، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر (إضافة الى متلازمة بكاء القط)، المتلازمات والاضطرابات التالية:

·      متلازمة داون (المنغولية) Down Syndrome.

·      متلازمة الكروموسوم "X" الهش Fragile “X” Syndrome.

·      متلازمة بريدر – ويلي Prader-Willi Syndrome.

·      بيلة فنيل كيتونية Phenylketonuria.

·      اضطراب رت Rett’s Disorder.

·      مرض التصلب المعجر Tuberous Sclerosis.

وللحصول على لمحة موجزة عن التخلف العقلي، راجع مقال متلازمة داون (المنغولية) للدكتور جابي كيفوركيان على موقع الطبيwww.altibbi.com.

وتعرف متلازمة بكاء القط، بأنها اضطراب جيني (مورثي) نادر، يؤدي الى ضعف دائم وشديد للمقدرة الذهنية (تخلف عقلي شديد)، مصحوباً بتشوهات جسدية - خلقية مختلفة، وبكاء شبيه بمواء القط.

وتشكل متلازمة بكاء القط نحو 1.5 من كل ألف حالة تخلف عقلي بأنواعه المختلفة، إذ يبلغ حاصل ذكاء الطفل المصاب بهذه المتلازمة أقل من 70، في حين تشكل واحداً في المئة من حالات التخلف العقلي العميق، تحديداً، حيث يبلغ حاصل الذكاء أقل من 20.

وتبلغ النسبة الانتشارية لمتلازمة بكاء القط، على مستوى العالم، واحداً من كل خمسين ألف حالة ولادة طفل حي.

ولم تشر الدراسات المختلفة الى أن النسبة الانتشارية لهذه المتلازمة تختلف من موقع جغرافي الى آخر، أو من مجتمع الى آخر أو من عرق الى آخر. كما أن العوامل البيئية والتأثيرات الخارجية لا تؤثر في انتشارية متلازمة بكاء القط.  إضافة الى أن هذه المتلازمة ليست وراثية (عدا في عشرة بالمئة من الحالات، حيث يكون عند أحد الوالدين انتقال كروموسومي متزن Balanced Translocation، وتبلغ إمكانية ولادة طفل مصاب بمتلازمة بكاء القط في هذه الحالة نحو 1,8 في المئة). وتصيب متلازمة بكاء القط الإناث أكثر من الذكور بنسبة 2:3.

وسميت هذه المتلازمة بهذا الاسم، لأن بكاء الطفل المصاب بها يكون عالي النبرة، ويشبه مواء القط الصغير. وقام بوصف هذه الحالة لأول مرة الطبيب وعالم الجينات الفرنسي Jerome Lejeune عام 1963 (وهو العالم نفسه الذي حدد عام 1959 السبب الذي يقف وراء متلازمة داون، وهو التثلث الصبغي 21).

والسبب الذي يقف وراء متلازمة بكاء القط، هو نقص (انشطار) جزء من طرف الصبغي (الكروموسوم) القصير من الزوج الصبغي الخامس، غير أن السبب المباشر لهذا التغير الصبغي ما زال مجهولاً حتى تاريخ كتابة هذا المقال.

التغيرات الصبغية

وللمقارنة راجع مقال متلازمة داون (المنغولية) للدكتور جابي كيفوركيان على موقع الطبي www.altibbi.com.

تحتوي خلايا جسم الإنسان على 46 صبغياً (كروموسوم).  وهذه الكروموسومات تحتوي على جينات (مورثات) تنظم تطور ووظيفة أعضاء وأجهزة الجسم المختلفة.

ويرث الأشخاص الكروموسومات خاصتهم من الأبوين: 23 كروموسوماً من البويضة (الأم) و 23 كروموسوماً من الحيوان، المنوي (الأب).  وتتوزع هذه الكروموسومات في خلايا جسم الإنسان على شكل أزواج حسب مميزاتها وصفاتها العضوية.  ولكل كروموسوم منطقة ضيقة تقع تقريباً في منتصف هذا الكروموسوم تسمى "قسيمة مركزية" Centromere.

وتقسم هذه القسيمة الكروموسوم الواحد الى جزأين غير متساويين، تدعى الذراع القصيرة "p" والذراع الطويلة "q".

وفي حال انشطار جزء من الذراع القصير لأحد الكروموسومين داخل الخلية، يصاب الجنين بمتلازمة بكاء القط.  علماً أن هذا الجزء المنفصل يحتوي على الجينات المسؤولة عن التكوين الطبيعي للحنجرة والدماغ تحديداً، ولبعض أجزاء الجسم عموماً.

ونحو تسعين في المئة من حالات متلازمة بكاء القط ليست وراثية، إذ يحدث انفصال الجزء عن الكروموسوم الخامس، عشوائياً، وذلك خلال تكوين الخلية التناسلية الذكرية (الحيوان المنوي) والخلية التناسلية الأنثوية (البويضة). أو خلال المرحلة المبكرة من تكوين الجنين.

غير أن عشرة في المئة من الأطفال المصابين بمتلازمة مواء القط، يرثون التشوه الكروموسومي من أحد الأبوين غير المصاب بالمتلازمة، غير أنه يكون حاملاً لتنظيم كروموسومي وراثي جديد Rearrangement يسمى "انتقال كروموسومي متزن"Balanced Translocation وهذا يعني أنه لا يتم خسارة أو ربح مادة جينية (من هنا جاء المصطلح "متزن"). ولا يؤدي الانتقال الكروموسومي المتزن الى مشاكل صحية (أي أن الوالد يكون سليماً)، غير أنه يصبح غير متزن Unbalanced في حال انتقاله للجنين (أي للجيل الثاني).

وفي حال كان الانتقال الكروموسومي مصحوباً بخسارة مادة جينية من الذراع القصيرة للكروموسوم الخامس، يصاب الجنين بمتلازمة بكاء القط.  غير أنه في حال كان الانتقال مصحوباً بإضافة مادة جينية جديدة يصاب الجنين بمتلازمة أخرى لا مجال للخوض فيها هنا.

ومن المهم ذكره، أن الأطفال المصابين بمتلازمة مواء القط لا يوجد لهم أقارب أصيبوا بهذه المتلازمة، غير أنه سجلت حالات قليلة جداً (نحو 8 في المئة من حالات متلازمة بكاء القط) ورثها الأطفال عن أحد الوالدين الأصحاء. وفي نحو ثمانين في المئة من الحالات يكون والد الطفل هو حامل الكروموسوم المنشطر.

ومن المستبعد أيضاً أن يصاب بمتلازمة بكاء القط أشقاء الطفل المصاب.

ما هو الاضطراب الجيني؟

وكما ذكرت سابقاً، يوجد في جسم الإنسان السليم، عادة، 23 زوجاً من الصبغيات (الكروموسومات) في كل خلية.  وللتمييز بينها أعطي كل زوج منها أرقاماً، ابتداء من زوج رقم واحد وزوج رقم إثنان ... 3 ... 4.. وهكذا، حتى زوج رقم 23.

ويتكون كل كروموسوم من مركبات أصغر تدعى جينات (مورثات) Genes. وهذه الجينات تحتوي على تعليمات داخل شفرة (رمز) مكونة من الزلال (بروتين).  وهذه الشفرة تحتوي على الخريطة التكوينية لكل إنسان.

وعندما يحصل خطأ أو خلل في الكروموسومات أثناء تكوين الجنين، يصعب قراءة الشفرة بدقة، ما يؤدي الى عدم تطور دماغ وجسد الطفل، كما يجب (بشكل سليم).

وعندما تنتج مشكلة أو معضلة نتيجة هذا الخطأ الجيني، تسمى الحالة "اضطراب جيني" Genetic Disorder.  لذلك تعتبر متلازمة بكاء القط اضطراباً جينياً (مورثي وليس وراثي).

الصورة السريرية

يعاني الطفل المصاب بمتلازمة بكاء القط من مشاكل فيزيولوجية (وظيفية) تؤدي الى تأخر التطور الجسدي والذهني، ما يؤدي الى ظهور علامات وأعراض مميزة. فمثلاً السبب الذي يقف وراء بكاء الطفل الشبيه بمواء القط الصغير (والذي يعتبر من الأعراض الرئيسية للمتلازمة) هو تشوه خلقي في الحنجرة وخلل وظيفي في الدماغ.

ومن العلامات المميزة لمتلازمة بكاء القط، أيضاً، هي: يكون وزن الوليد أقل من المعدل الطبيعي مصحوباً مع نمو جسدي وعقلي بطيء، وصغر حجم الرأس Microcephaly ونقص التوتر العضلي Hypotonia. وقد يصاب الطفل في بعض الحالات بتشوهات خلقية في القلب (وهذه من أهم أسباب موت الطفل في حال عدم التغلب عليها جراحياً). وتبلغ نسبة إصابة الوليد بتشوه خلقي في القلب نحو 31 في المئة.

ولاحقاً يلاحظ على الطفل صعوبة تعلم اللغة، وتأخر أو نقص في التطور الحركي والمهارات الذهنية (تخلف عقلي).

وكلما كبر الطفل في السن كلما أصبح من الصعب ملاحظة البكاء الشبيه بمواء القط، إذ أشارت الدراسات إلى أن نحو ثلث الأطفال المصابين بهذه المتلازمة يفقدون الصوت أو البكاء المشابه لمواء القط، عند وصولهم سن السنتين. لذلك يصعب تشخيص هذه المتلازمة عند الطفل في حال طلب الوالدين المشورة الطبية بعد هذه السن.

وبما أن هذه الحالة نادرة جداً مقارنة مع غيرها من المتلازمات الجينية (واحد من كل خمسين ألف حالة ولادة، في حين تبلغ النسبة الانتشارية لمتلازمة داون واحد من كل 750 حالة ولادة) فقد يمضي الطبيب العام معظم حياته المهنية دون مشاهدة حالة واحدة من حالات متلازمة بكاء القط، إذ سجلت بعض الحالات التي طلب فيها الوالدان المشورة الطبية من الطبيب العام، قبل سن شهرين من عمر الطفل، بسبب بكاء وليدهم بصوت غريب يشبه مواء القط، غير أن الطبيب غفل أو فوت هذه الحالة دون تشخيص.  ولم يتم تشخيصها إلا بعد عرضها على طبيب اختصاصي في الأمراض الجينية.

وإضافة الى صعوبة التحرك والسير، فإن نقص توتر العضلات يؤدي الى صعوبة بلع الطفل للطعام، إذ يفقد المريء (الأنبوب العضلي الممتد من الحلق حتى المعدة) الحركة الدودية، التي بفضلها تنتقل (تنزل) كتلة الطعام الممضوغة (اللقمة) من تجويف الفم الى تجويف المعدة، وصعوبة بلع الطعام هذه تدفع الوالدين لطلب المشورة الطبية.

كذلك يعاني الطفل من ارتداد (ترجيع) الطعام Reflux من تجويف المعدة الى تجويف الفم.  غير أن هذه المعضلة تتحسن بعد مرور السنوات القليلة الأولى من عمر الطفل، إذ يلاحظ تحسن ملموس في بلع الطعام وتلاشي ظاهرة ارتداد الطعام.

ويلاحظ على وجه الطفل المصاب بمتلازمة بكاء القط، تغييرات خاصة، مثل: وجه مستدير، زيادة المسافة بين العينينhypertelorism، أذنان منخفضتان، فك سفلي صغير Micrognathia وفم صغير وأنف كبير وطويل.

 

ملاحظات مهمة

·      السبب الذي يقف وراء البكاء الشبيه بمواء القط، هو التشوه الخلقي في أجزاء الحنجرة المختلفة، وخصوصاً الأوتار الصوتية، ونقص توتر العضلات الممتدة بين أقسام وأجزاء الحنجرة، إضافة الى قصور وظيفي في الدماغ.

·      تختلف شدة الأعراض والعلامات من طفل الى آخر، وذلك حسب حجم الجزء المنفصل من الكروموسوم الخامس.  لذلك يصعب سريرياً تشخيص الحالات منخفضة الشدة.

كذلك من الصعب التنبؤ عن مدى الإيذاء والإعاقة التي سيعاني منها الطفل مستقبلاً، غير أنه يمكن الاعتماد، نوعاً ما، على الفحص المخبري للكروموسومات والجينات.  وكل ما أستطيع أن أقوله (حتى تاريخ كتابة هذا المقال) هو أنه كلما كان القسم المحذوف (المفصول) من الكروموسوم الخامس كبيراً، كلما كانت إصابة الطفل أقوى، والعكس صحيح.

وكذلك أستطيع القول إنه في حال أظهر الفحص الجيني أن الطفل مصاب بانتقال كروموسومي غير متزن Unbalanced فإن العواقب تكون أشد وقعة.

·      التشوهات (العيوب) الخلقية التي قد تصيب القلب، هي: عيب حاجزي بطيني Ventricular Septal Defect، عيب حاجزي أذيني Atrial Septal Defect قناة شريانية مفتوحة Patent Ductus Arteriosus رباعية فالو Tetralogy of Fallot.

·      الأفراد المصابون بمتلازمة بكاء القط قادرون على الإنجاب، لأن الجهاز التناسلي في الإناث يكون طبيعياً، والخصيتين عند الذكور تكون صغيرة الحجم، غير أن تكوين وإنتاج الحيوانات المنوية والسائل المنوي يكون طبيعياً.

·      في حال عدم إصابة الطفل بتشوهات خلقية خطيرة، مثل تشوهات القلب على سبيل المثال لا الحصر، فإن متوسط عمره يكون طبيعياً.  ومع أن معظم الأطفال المصابين بمتلازمة بكاء القط يموتون في مرحلة الطفولة، فإن بعضهم يعيش حتى سن البلوغ. وفي هذه الحالة يكونون مصابين بالتخلف العقلي الشديد، مع الحفاظ على ملامح الوجه المميزة لهذه المتلازمة.  وقد سجلت حالة امرأة بهذه المتلازمة عاشت حتى الستينات من عمرها.

·      سجلت بعض حالات متلازمة بكاء القط مع الصوت المميز للبكاء (مواء) دون وجود الصفات الجسدية الأخرى، والعكس صحيح، غير ان التخلف العقلي في جميع درجاته يكون موجوداً في جميع الحالات.

·      تتراوح درجة الإعاقة الجسدية والذهنية التي تصيب الطفل المصاب بمتلازمة بكاء القط، بين الدرجة الخفيفة والدرجة العميقة.  غير أن 93 في المئة من الحالات تتراوح بين التأخر الوسط والشديد.

·      يعاني معظم الأطفال المصابون بهذه المتلازمة من مشاكل شديدة في تطور الكلام واللغة.

 

فحوصات ما قبل الولادة

للحصول على معلومات عن الفحوصات التشخيصية قبل الولادة، راجع مقال متلازمة داون (المنغولية) للدكتور جابي كيفوركيان على موقع الطبي www.altibbi.com.

ويمكن التحري عن متلازمة بكاء القط قبل الولادة إذا ما أجري للأم الحامل الفحصين التاليين:

·      سحب سائل السلي Amniocentesis.

·      فحص المشيمة، ويسمى هذا الفحص "عينة زغابية مشيمية" Chorionic Villus Sampling.

فحص الوليد

في حال سماع بكاء الطفل المميز والمشابه لمواء القط، أو في حال ملاحظة العلامات المميزة لمتلازمة بكاء القط، يجب إجراء فحوصات كروموسومية – مخبرية على خلايا الطفل للتحري عن وجود انشطار جزء من الذراع القصير للكروموسوم الخامس.

 

علاج الطفل

لا يوجد علاج للطفل المصاب بمتلازمة بكاء القط، ويتمثل العلاج بالدعم المعنوي والمادي لأهل الطفل المصاب، إضافة الى العلاج التطوري للطفل، والجراحي إذا لزم الأمر (وخاصة لإصلاح التشوهات القلبية).

ويمكن انخراط الطفل في جلسات من العلاج الطبيعي Physiotherapy والنطقي Speech Therapy والمهنيOccupational Therapy.

 

 

 

* لتعرف اكثر عن الموضوع تحدث مع طبيب الان .

شارك المقال مع اصدقائك ‎


استشاري طب العائلة
1 2 4