تمر المرأة بمشاعر متناقضة خلال حملها، فتصبح متقلبة المزاج وأكثر حساسية، وذلك بفعل التفلبات الهرمونية في جسدها، ونظرياً، من المتوقع أن تستقر هرمونات المرأة بعد الولادة، ولكن الأمر ليس بهذه البساطة، فتقلبات المزاج التي تحدث بعد الولادة، والقلق، والإرهاق، والحرمان من النوم، وقلة الخبرة في التعامل مع الرضيع، وتوتر العلاقة الجنسية مع الشريك، كلها عوامل تؤثر سلباً على الحالة النفسية للأم، فتظهر عليها علامات الحزن والاكتئاب، وتعاني مما يعرف علمياً بالكآبة النفاسية (بالإنجليزية: Baby blues)، وهي حالة عابرة وطبيعية، تتلاشى في غضون أيام قليلة، ويكون دعم الشريك والعائلة والأصدقاء كافياً لتجاوزها.

ولكن، في حال ازدادت هذه المشكلة، واستمرت فترة الاضطراب النفسي لدى الأم لأكثر من أسبوعين، وتطوّرت لديها الأعراض، لتصل إلى ما يسمّى باكتئاب ما بعد الولادة (بالانجليزية: Postpartum depression)، فمن الضروري اللجوء إلى التدخل الطبي، من أجل السيطرة على الأعراض، والتخلص منها، حيث تستفيد الأمهات بشكل كبير من هذا التدخل الطبي للعلاج.

للمزيد: ما هو الاكتئاب النفسي؟

أسباب الإصابة باكتئاب ما بعد الولادة

لا يوجد سبب واضح للإصابة باكتئاب ما بعد الولادة، ولكن هناك عوامل عديدة قد تساهم في حدوثه، وتعد هذه العوامل مزيجاً يشمل كل من التغييرات الجسدية والضغوط النفسية.

العوامل الجسدية

إن من أكبر التغييرات الجسدية التي تحدث للمرأة هي التغيرات الهرمونية، فتكون مستويات كل من هرموني الأستروجين  والبروجستيرون عالية أثناء الحمل، وما تلبث أن تنخفض إلى معدلاتها المعتادة في غضون ساعات من الولادة، فيسبب هذا التغير المفاجئ إصابة الأم بالاكتئاب، ومن الأمثلة الأخرى على العوامل الجسدية ما يلي:

  • انخفاض مستويات هرمون الغدة الدرقية.
  • الحرمان من النوم.
  • اتباع نظام غذائي غير كافِ.
  • الإصابة بظروف طبية أخرى.
  • تعاطي المخدرات أو شرب الكحول.

العوامل النفسية

والتي تشمل ما يلي:

  • الإصابة باضطرابات نفسية في السابق.
  • حدوث طلاق أو موت أحد الأشخاص المقربين.
  • الأعباء المالية.
  • الحمل غير المرغوب به.
  • الولادة المبكرة.
  • فقدان الاهتمام والدعم من الشريك، أو من العائلة، أو من الأصدقاء.
  • ولادة طفل يعاني من مشاكل صحية.

حقائق وإحصائيات تتعلق بالإصابة باكتئاب ما بعد الولادة

يُصاب حوالي 80% من النساء بالبلوز (Baby blues) في الأسابيع التالية للولادة، وفي المقابل وجدت دراسة واسعة النطاق أجريت عام 2013 أن 15% من النساء فقط يعانين من تطور الكآبة النفاسية إلى مرحلة اكتئاب ما بعد الولادة، وكان ما نسبته 19.3% من هؤلاء النساء يفكّرن بإيذاء أنفسهن، و22.6% يعانين من اضطراب ثنائي القطب (بالإنجليزية: Bipolar) لم يتم تشخيصه من قبل.

وُجد أن اكتئاب ما بعد الولادة هو السبب لحوالي 20% من حالات الانتحار، كما من الممكن أن تصاب حوالي 0.1% من النساء بذهان ما بعد الولادة (بالانجليزية: Postpartum psychosis)، فهو أمر نادر الحدوث، بالإضافة إلى إمكانية إصابة الآباء بالاكتئاب أيضاً تماماً كالأمهات بنسبة 25%.

هل ترغب في التحدث إلى طبيب نصياً آو هاتفياً؟

عوامل خطر الإصابة باكتئاب ما بعد الولادة

تشمل عوامل الخطر التي تسبب إصابة الأم باكتئاب ما بعد الولادة ما يلي:

  • أن تكون المرأة صغيرة في السن.
  • أن تكون المرأة غير متعلمة.
  • أن تكون المرأة من أصول أميركية أفريقية.

أعراض الإصابة باكتئاب ما بعد الولادة

تختلف أعراض اكتئاب ما بعد الولادة من أم لأخرى، كما تختلف أيضاً من يوم لآخر، وتبدأ بالظهور في غضون أسابيع أو أشهر قليلة من الولادة، ومن الممكن أن تتراجع الأعراض ليوم أو يومين، ومن ثم تعاود الظهور مجدداً، ومن الأمثلة على الأعراض التي قد تعاني منها الأم ما يلي:

  • الشعور بالحزن، والرغبة في البكاء دون معرفة السبب.
  • الشعور بالتعب، والإرهاق، وقلة الطاقة، مع عدم القدرة على النوم ليلاً.
  • النوم المتواصل أثناء النهار.
  • ازدياد الشهية للأكل، أو انعدامها.
  • الشعور بآلام وأوجاع غير معروفة السبب.
  • الشعور بالتوتر والغضب.
  • إهمال العناية بالنفس، وتتمثل بعدم تغيير الملابس لفترة طويلة.
  • فقدان الإحساس بالوقت.
  • الشعور بالقلق حيال التعامل مع الرضيع.
  • تقلبات المزاج غير المبررة.
  • تراجع ملحوظ في الذاكرة، وعدم القدرة على تذكر الأشياء.
  • انعدام التركيز والقدرة على اتخاذ القرارات.
  • انعدام الشغف، وفقدان الاهتمام بالنشاطات اليومية.
  • شعور الأم بالانفصال عن الطفل بعد أن كان بداخل رحمها.
  • الشعور باليأس حول المستقبل.
  • الشعور بعدم الاهتمام بمشاركة الآخرين بالأنشطة الاجتماعية.
  • التفكير بأفكار سودواية.

علاج اكتئاب ما بعد الولادة

يمكن للمرأة الشفاء التام من أعراض اكتئاب ما بعد الولادة، حيث يشمل العلاج العديد من الأساليب المتكاملة، تبدأ بأهمية مساعدة المرأة لنفسها، من خلال الاهتمام بممارسة التمارين الرياضية، وتناول نظام غذائي صحي، والابتعاد عن العزلة، والحصول على قسطٍ كافٍ من النوم والراحة، بالإضافة إلى إمكانية تحدث الأم إلى العائلة والأصدقاء حول مشاعرها والأفكار التي تراودها، والسماح لهم بتقديم المساعدة، كما يمكنها أيضاً إتاحة الوقت لنفسها لقضاء أوقات ممتعة، والقيام بأشياء تحبها، مثل الذهب للاستجمام، أو التدليك، أو القيام بجلسات التأمل، أو الاستمتاع بحمام دافئ، أو الاستماع إلى الموسيقى، أو قراءة كتاب.

اقرأ أيضاً: المساج الصحي - العلاج بالتدليك

ينبغي استشارة الطبيب في حال كانت الأم مصابة باكتئاب حاد، حيث يمكن علاجها بنجاح، فهناك العديد من الأدوية التي تستخدم في علاج الاضطرابات النفسية، وتشمل ما يلي:

  • الأدوية المعدلة للمزاج (بالإنجليزية: Mood stabilizers).
  • الأدوية المضادة للاكتئاب (بالإنجليزية: Antidepressants).
  • الأدوية المضادة للذهان (بالإنجليزية: Antipsychotics).

تساعد هذه الأدوية في السيطرة على الأعراض التي تصاحب اكتئاب ما بعد الولادة، وتحافظ على الاستقرار النفسي، بالإضافة إلى إمكانية الاستفادة من العلاج بالصدمات الكهربائية (بالإنجليزية: Electroconvulsive therapy)، مما قد يحسن حالة الأم المزاجية عن طريق تغيير توازن المواد الكيميائية في عقلها، حيث تستخدم هذه الصدمات لإحداث تغييرات كيميائية في الدماغ كعلاج فعّال وناجح في بعض الحالات.

من الممكن أن ينصح الطبيب بمراجعة أخصائي نفسي، وذلك لأخذ جلسات علاج سلوكي ومعرفي (بالإنجليزية: Cognitive behavioural therapy) تساعد الأم بالإفصاح عن مشاعرها وعمّا يجول في خاطرها من أفكار ومخاوف، وفي حال كانت الأم تعاني من مشاكل نفسية أخرى، كاضطراب ثنائي القطب، فمن الضروري متابعة خطة علاجية مع الطبيب لفترة كافية من الزمن.

ابني وحيد عمرو 15 سنة٫ بحب يضل بغرفتو وما يطلع مع اصحابو٫هو طبعو هيك لكن زادت من سنتين ٫انا كنت ادبر طلعاتو مع زملاؤو٫ وحاليا قليل ما اتدخل ٫كيف اساعدو يتغير!! ولو سجلتو بنشاط مع عدم رضاه عادي ولا انا بزيد بعنادو وشعورو اني بتدخل وباخد قرارات عنو!؟ هو الحمدلله شاطر بالمدرسة وداخل الصف الو اصدقاء

يمكن أن يقوم الطبيب بفحص الصحة الجسدية للأم لمعرفة ما إذا كان هناك أية مشكلات أخرى تسبب أعراضاً مشابهة لأعراض الاكتئاب، مثل أن تكون الأم مصابة بفقر الدم.

تجدر الإشارة إلى ضرورة الانتباه للنقاط التالية:

  • بإمكان الأم المشاركة في مجموعات دعم تشمل أمهات جدد، للتحدث عن هذه التجربة الجديدة في حياتها.
  • الاكتئاب مرض قابل للعلاج مثل أي مرض آخر.
  • ليس من المبرر أن تشعر الأم بالذنب حيال إصابتها بالاكتئاب، فهو مرض من الممكن أن يصيب أي شخص آخر.
  • إصابة الأم بالاكتئاب لا يعني أنها أم سيئة.
  • إصابة الأم بالاكتئاب لا يعني بالضرورة أنها ستعاني من مشاكل نفسية أخرى في المستقبل.
  • لن يتم أخذ الطفل من أمه في حال تم تشخيصها بالاكتئاب، حيث يتم فصل الطفل عن أمه فقط في ظروف استثنائية للغاية.

اقرأ أيضاً: استخدام الاوميغا 3 للاكتئاب

الوقاية من الإصابة باكتئاب ما بعد الولادة

في الحقيقة، لا يمكن الوقاية من الإصابة باكتئاب ما بعد الولادة، ولكن لحسن الحظ، من الممكن تقليل بعض المخاطر والعوامل التي تؤدي إلى الإصابة به، وفيما يلي بعض التوصيات:

  • الاستباقية، حيث بإمكان المرأة الحامل إخبار الطبيب عما إذا كانت تعاني من أية مشاكل نفسية في السابق، مثل الاكتئاب، ليتمكن من وصف العلاج المناسب، وتقديم توصيات مسبقة.
  • الدعم قبل الولادة، حيث من المفيد أيضاً أن تحصل المرأة الحامل على دعم نفسي وعاطفي من قبل شريكها، أو عائلتها، أو أصدقائها لتقليل خطر الإصابة باكتئاب ما بعد الولادة.
  • تنظيم الوقت ووضع الخطط، حيث من الضروري على الأم أن تضع خططاً لرعاية الطفل الجديد، وللتأقلم مع المسؤولية الجديدة، لتتمكن من الحصول على بعض الوقت لنفسها ولأخذ قسط من الراحة، وحينها، ستعرف بالضبط ما يجب عليها فعله في حال شعرت بأية أعراض للاكتئاب.
  • الحفاظ على نظام غذائي صحي، وممارسة التمارين الرياضية يومياً.
  • المشاركة بالأنشطة الاجتماعية.
  • الحصول على قدر كافٍ من النوم.
  • الابتعاد عن العزلة والاختلاط مع الآخرين.

ذهان ما بعد الولادة

يعد ذهان النفاس (Postpartum psychosis) مشكلة نادرة الحدوث، فهو أقل شيوعاً من اكتئاب ما بعد الولادة، وهو من أخطر أشكاله، ويمكن أن يظهر من الأسبوع الأول إلى الأسبوع الثاني عشر من بعد الولادة، وتشمل أعراضه صعوبة التركيز، والأرق، والأوهام، وتقلبات المزاج الشديدة، ورؤية أو سماع أشياء غير موجودة (الهلوسة)، والشعور بالعداء من قبل الآخرين (جنون الشك ومشاعر الاضطهاد)، والغضب دون سبب واضح، والسلوكات العنيفة مثل التكسير، والضرب، وانتقاد الأشخاص بطريقة جارحة، وتعتبر هذه الحالة خطيرة وطارئة تستوجب مراجعة الطبيب على الفور، ولحسن الحظ، عادة ما يتكلل علاجها بالنجاح.

اقرأ أيضاً: ما هي انواع الذهان أو الاضطرابات الذهانية؟

قلق ما بعد الولادة

يعد قلق ما بعد الولادة (بالإنجليزية: Postpartum anxiety disorders) حالة طبيعية وأكثر شيوعاً من اكتئاب ما بعد الولادة، فهو يصيب حوالي 1 من كل 6 نساء بعد الولادة، وهو شعور طبيعي بالتوتر، والقلق حيال إحضار طفل جديد إلى العائلة، والإحساس العالي من المسؤولية تجاه هذا الطفل، وكيفية التكيّف مع وجوده في الحياة اليومية.

تشمل أعراض قلق ما بعد الولادة ما يلي:

  • فرط التنفس (بالإنجليزية: Hyperventilation)، حيث تعاني المرأة من زيادة وتيرة التنفس، بحيث يصبح تنفسها سريعاً وعميقاً.
  • الإصابة بنوبات الهلع التي تشبه أعراض النوبات القلبية، مثل حدوث التسارع في دقات القلب وألم في الصدر، والتعرق المفرط، وضيق في التنفس.          
  • القلق المفرط حول أمور غير هامة.
  • عدم القدرة على النوم، والإصابة بالأرق.
  • مواصلة التفكير بالمشاكل حتى وإن تم حلها سابقاً.
  • ضعف القدرة على التركيز.
  • الإفراط في الاعتناء بالطفل الرضيع، ومحاولة حمايته من أية أخطاء من الممكن أن تصيبه بالأذى.
  • قلق الأم حيال إصابتها أو إصابة طفلها بأية أمراض عضوية.

من الجدير بالذكر أن قلق ما بعد الولادة هو حالة طبيعية تزول من تلقاء نفسها، كما من الممكن أيضاً مراجعة الطبيب للحصول على بعض التوصيات أو الأدوية المضادة للقلق.

للمزيد: اعرف أكثر عن اضطراب القلق

الوسواس القهري بعد الولادة

من الطبيعي أن تشعر الأم برغبة عالية في توفير حياة مثالية لطفلها الجديد، من خلال توفير بيئة صحية، وتربية مناسبة، حيث من الممكن أن يتحول هذا الاهتمام إلى وسواس قهري (بالإنجليزية: Obsessive compulsive disorder)، وهي حالة غير شائعة، يُصاب بها 1 من كل 3 نساء بعد الولادة.

يتمثل الوسواس القهري بالإصابة بهواجس مختلفة ترتكز غالباً على سلامة الطفل، فعلى سبيل المثال، قد تراود الأم أفكاراً غريبة تخبرها باحتمالية وفاة طفلها ليلاً، أو سقوطه وإصابته بالأذى، وتبدأ الأم بالانخراط بسلوكيات تتعلق بهذه الأفكار، ومن الأمثلة على هذه السلوكيات ما يلي:

  • المبالغة في التنظيم، والتنظيف، والخوف من الجراثيم التي قد تلامس الطفل.
  • فحص الطفل مراراً وتكراراً أثناء الليل للتأكد من سلامته ومن أنه لا يزال على قيد الحياة.
  • قضاء الكثير من الوقت في البحث عن معلومات تخص سلامة الطفل وصحته.

من الجدير بالذكر أن الإصابة بالوسواس القهري بعد الولادة أمرٌ طبيعيٌ جداً، من الممكن التخلص منه عن طريق تحكّم الأم بسلوكياتها، ومساعدة من حولها ودعمهم لها، ولكن، في حال لم تختفي هذه الأعراض ينبغي استشارة الطبيب.

مدخل إلى الطب النفسي

اقرأ أيضاً: الوسواس القهري، الاكتئاب، القلق والسيروتونين.