كيف نتعامل مع ضحايا الحروب ؟ (الجزء الأول)

كيف نتعامل مع ضحايا الحروب ؟ (الجزء الأول)
د. وليد سرحان
٠٢‏/١١‏/٢٠١٦

- في الحروب هناك من يقتل أو يستشهد وهناك من يجرح، ولكن الكثيرون يتأثروا نفسياً وبأعداد هائلة تفوق عدد القتلى والجرحى، وهؤلاء ليسوا فقط في ساحة المعركة ولكن من الأقارب وباقي سكان المنطقة، وحتى سكان نفس الدولة أو دول أخرى، وبما في ذلك متابعي الحرب عبر شاشات التلفاز ووسائل التواصل الإجتماعي. والتعامل مع الحالات الشديدة والصعبة من الجرحى الذين فقدوا أفراداً من أسرهم وأصيبوا بجروح متفاوته، ويرقدوا على أسرة المستشفيات لابد أن يكون بحذر مع ضرورة أخذ الملاحظات التالية:

1- كثرة الزوار لإلتقاط صور مع الجريح لا تُساعد، بل كثيراً ما تزعج الجريح إضافة إلى كونها تعدي على خصوصيته.

2- يُكثر الزوار من الأقارب وغير الأقارب من السؤال عن القصة، ويرغبوا في سماع كل التفاصيل، دون معرفة الرغبة عند الضحية إذا ما كان يرغب بتذكر هذه وسردها أم لا.

3- إذا رغب الضحية بالحديث عن التفاصيل فعلى المستمع أن يكتفي بالإصغاء دون إعطاء ردود عشوائية.

4- إذا كان الضحية في حالة نفسية متأثرة ولا يستطيع النوم ولا الأكل ولا التوقف عن البكاء يصبح هذا من مهام الفريق النفسي.

5- الإعتقاد عند الناس أن مجرد سرد الأحداث يساعد الضحية، وهذا ليس بالضرورة صحيح.

6- قد يطرح الجرحى والضحايا استفسارات كثيرة يصعب على الشخص العادي الإجابة عليها والأفضل أن لا يجيب حتى يتوفر من يعرف كيف يجيب.

7- أكثر ما يشكو منه المرضى ضحايا الحروب، هو كثرة الزوار في بداية الدخول للمستشفى ثم تلاشيهم بعد توقف الحرب.

8- الورد والشوكلاته ليست ضرورية للضحايا ومن هم في حزن على أنفسهم وأسرهم وبلدهم، ولكن الدعم المعنوي والمادي ضروري وبأسلوب مدروس ومخطط.

9- يحتار الناس في إعطاء الضحايا استراحة، من مشاهدة التلفزيون أو إبقاء الأخبار مستمرة، والأولى سؤال الضحية وعدم افتراض أي من الخيارين، وبكل الأحوال الأخبار المستمرة غير مرغوب فيها.

10- يتطوع الناس لمساعدة الضحايا دون رقابة أو تدريب أو برنامج وفي هذا ضرر كبير، فالتطوع ليس من أجل راحتك بل يفترض أن يكون في مصلحة الضحايا فقط. 

- بعض الجرحى من الحروب يقضوا في المستشفيات فترات طويلة ويعني هذا جراحات عديدة وأدوية كثيرة، وقد يبعث هذا على الملل وخصوصاً مع البعد عن الأهل، وانحسار همة الزوار والمشجعين، وغالباً ما يتم إهمال الشكاوي النفسية لهؤلاء الجرحى لأن العمليات الجراحية تأخذ الأولوية، والغريب أن البعض يدخل في حالات إكتئاب شديدة وإدمان على المسكنات الأفيونية كالمورفين، ودون إنتباه من أحد، وقد يقوم بإيذاء نفسه بشكل واضح أو تخريب العمليات الجراحية لأنه يريد الحياة والفريق الطبي منهمك في ترميم الإصابات وتجميلها.

- ومن المعروف أن الجرحى من  العرب يكابروا كثيراً في الشكوى النفسية، ويحاولوا الإبقاء على الصوره البطولية، وكأن الإكتئاب والمرض سوف يسحب منهم شهادة البطولة، وفي أحوال كثيرة عندما وصل الأمر لأن أتحدث مع جريح بعد شهور في المستشفى، وبمجرد أن عرَّفته على نفسي إنهار باكياً لائماً لماذا لم أحضر من البداية، وكأني أعلم، والواقع أن اللوم على كل من يحتك به من أفراد الأسره والزوار والفريق الطبي والتمريضي، الذي كابر وأجل وأخر برر وعلل وسوَّف في المعاناة النفسية المباشرة والغير مباشرة، مثل طلب المسكنات الزائد، وطلب المقومات الغير مبرر، وفقدان الوزن المتسارع، والتدخين الشره والإكثار من المنبهات، والصمت لساعات طويلة وافتعال مشاكل سخيفة لا تتناسب مع شخصية الضحية، وإن كان الأمر غير واضح فلا بد من طلب المساعده النفسية والإستشارة النفسية داخل المستشىف عادة أسهل بكثير من خارجة، ولكن لابد لصاحب القرار وهو الطبيب المعالج من اتخاذ القرار، في الحالات التي كان الجريح فيها قد فقد أفراد من اسرته، أخفى الجميع عنه الخبر وابتدأت سلسلة من الردود والمعلومات الغير صحيحة والتي عدلت وأضيف إليها إلى أن أصبحت القصة مشوهة، والهدف أن لا يعلم بوفاة أفراد أسرته أو بعض منهم، وهذا الإخفاء بحجة أنهم يريدون له أن يركز على نفسه وحالته، وأن لا يحزن على اختفاء أسرته أو وفاتهم، وهل هذا معقول أو مقبول، بالتأكيد لا غير معقول ولا مقبول، ولا حتى يمكن أن يمر لأيام قليلة، فالجريح يتوقع إتصالاً أو خبراً أو زياره من أهله حتى لو كانوا جرحى، وفي بعض الأحوال يقال للجريح أن باقي أفراد الأسرة يرقدوا في نفس المستشفى للعلاج، وتمر شهور والقصة لا تنطلي أبداً وكل يوم يضاف لها تعديلات أو اختصارات، و يعطي الكثير من الناس أنفسهم مهمة التعامل مع هذه الأمور الصعبة دون معرفة أو خبرة أو تدريب على ذلك، مما يساهم في تدهور حالة الجريح بدل أن يكونوا سبباً في الشفاء السريع.

الأطفال في الحروب

 

- الطفل دون السابعة من العمر لا يفهم مبدأ الموت بوضوح، وقد يعني هذا تكرار سؤاله عن والديه وإخوانه الذين انتقلوا للرفيق الأعلى، والإسترسال بالحديث عن الشهادة ومرتبة الشهداء قد يكون صعباً أيضاً، ويُكتفي بالقول أنهم ذهبوا للجنة، ويعبر هؤلاء الأطفال بالرسم، وإذا لم يتمكنوا من البكاء والتعبير فقد يكون من الضروري توفير الخبره النفسية في التعامل معهم.

- كما أنّ هؤلاء الأطفال بحاجة للبديل عن الأم والأب مثل العم أو العمه والخال أو الخالة وليس متطوع يأتي لأسبوعين ويختفي، وإن كان الطفل الجريح بعيد عن الأسرة، فليكن هناك متطوع واحد فقط متكرر يرتبط به جزئياً ومؤقتاً، ولا داعي للإكثار من الهدايا والألعاب، وقد تكون ورقة للرسم أكثر فائدة، وإذا رغب الطفل بالبكاء فليبكي ولا يبذلوا الجهد لمنعه، أو يقال له أن ماما وبابا سوف يزعلوا منه في الجنة لأنه يبكي، أو أن البكاء حرام، إن الحرام هو قتلهم وليس البكاء عليهم، وأسئلة الأطفال قد تكون أصعب في الإجابة عليها من الكبار، وقد يستحيل الإجابة على بعض الأسئلة ويكون من الأفضل القول ( لا أعلم).

 

تاريخ الإضافة: | تاريخ التعديل: 2018-12-18 13:04:01 | عدد المشاهدات: 2297

شارك المقال مع أصدقائك

هل تريد التحدث مع طبيب الآن؟
Altibbi