الطب السومري

الطب السومري
د. عبد العزيز اللبدي
٢١‏/٠٦‏/٢٠١١


ان المتتبع لتاريخ ما بين النهرين يلاحظ :

1-التداخل الحاصل بين المدن القديمة السومرية والأكدية على وجه الخصوص وتقارب تاريخ ظهورها، مما يؤدي إلى تداخل حضاري واضح.

2-إن وجود كلمات سامية كثيرة في الطب السومري دليل على هذا التداخل للحضارتين.

3-إن استمرار الكتابة واللغة السومرية لمدة طويلة عند الأكديين والبابليين يؤكد أنه لم يوجد أية نظرة عدائية أو غيرية للثقافة السومرية، خاصة مع تداخل الآلهةوالأساطير اللاهوتية لدى هذه الشعوب.

بل إن ول ديورانت يقول في كتابه قصة الحضارة " إن العلاقة التي بين اللغتين البابلية والأشورية وبين اللغة السومرية لتشبه العلاقة بين اللغتين الفرنسية والإيطاليةمن جهة وبين اللغة اللاتينية من جهة أخرى"(1 )

 

لقد تطور الطب في بلاد سومر والرافدين طيلة العصور السابقة للسومريين حتى وصل إليهم ، وقد استفاد من تراكم الخبرات كما استفاد من تجارب الشعوبالمجاورة التي تحتك بالسومريين والرافدين. ولا شك أن هذا حصل في العصور الحجرية القديمة والحديثة، ولكن ميزة العصر السومري، أنه جاء في بداية اختراعالكتابة السومرية، والتي تشكل أيضاً استمراراً لبدايات أكثر بدائية من الكتابة التي وصلتنا. وقد سجلت الكتابة ما هو موجود ومتوارث، كما سجلت ما أضيف فيعصرهم. وسجلت الكتابة أيضاً ظهور الآلهة في وادي الرافدين والتي كانت موجودة منذ عصور سحيقة قبل الكتابة.

والطب السومري كان موجوداً وكذلك الآلهة المسئولة عن المرض، والشفاء أيضاً كان موجوداً سواء بالأعشاب أو بالتعاويذ، أو بالجراحة البدائية والتجبير،

يعتمد الطب السومري على نظرية أن الأمراض سببها وشفائها إلهي، أي أن سبب الأمراض هو غضب إلهي بسبب خطأ،أو عتاب إلهي مباشر،بسبب عدم تنفيذالتعاليم الأخلاقية الإلهية (2)، وبذلك يعتمد الشفاء على استرضاء هذه الآلهة. وتعود النظرية في جذورها إلى نظرية الكون والخليقة وعناصرها، المتمثلة بالفناءوالخلود والولادة والموت.

" أن المرض من أنواع الموت، لأنه يخرج من العالم الأسفل(عالم الموت)، ولا يكون أمام الإنسان إلا طريق من اثنين: إما أن يشفى فيعود إلى الحياة الطبيعية، وإماأن يذهب إلى عالم الموت نهائياً(عالم الآلهة) وهذا أمر تقرره الآلهة وتنفذه الآلهة. وتظهر لنا الأدوية والأعشاب مثل إكسير الخلود، أو عشبته، فهي قادمة من عالمخالد. إنها قادمة من جسد الإلهة الأم فاتحة الخلود والتكاثر والصحة، ولذلك نرى أن الأعشاب لها حظ أوفر من غيرها لأنها تنبت من الأرض التي هي الأم الأولى.وما رمز الأفعى إلا شكل من أشكال الإلهة الأم التي يكمن في جسدها الشفاء أو الترياق، والسم هو مركب دوائي وجلد الأفعى الذي تنزعه كل سنة يدل على التجددوالشباب والصحة" (3)،"كمااعتقد سكان بين النهرين أن الأنهار لها المقدرة على جرف المواد والقوى الشريرةالتي تسبب الأمراضولهذا وضع أحياناًكوخ صغيرإلى جانب النهر فيه الشخص المريض" ( 4 )

ولكن التجارب الحياتية بدأت تفرض نفسها كالنظافة العامة والإجراآت الوقائية من الأمراض يقول د. عبد اللطيف البدري " إن أقدم مظهر للعناية بالصحة العامة هووجود مجاري للمياه القذرة في كيش يرجع تاريخها إلى 3000 ق.م. وكذلك وجود حمامات ذات أرضية لا ينفذ منها الماء، ومجاري منها إلى مستودع خارج البيتيتم تنظيفه في فترات من قبل عمال محترفين"

وقد وجدت مراحيض أيضاً في أور في فترة 2000ق.م. وفي احد هذه الدور يعود تاريخها إلمراحيض إلى حوالي 3500ق.م. (5)

الآلهة :

وقصة نشأة الطب عند السومريين يخبرنا بها بيروسوس من القرن الثالث قبل الميلاد وقد ألف كتاباً لإسكندر المقدوني عن العلوم البابلية، أنه خلال حكم الملكألوروس الذي حكم قبل الطوفان خرج الوحش أوئنس من البحر وكان على شكل إنسان في لباس سمكة وعلم شعبه مختلف أنواع الحرف والقوانين والعلوم ومنهاالطب. والوحش أوئنس يشبه في صورته شكل الإله أيا الذي كانوا يمثلونه على شكل إنسان في لباس سمكة.

هذا يعني أنه عندما حكم الملك ألولم( ألوروس) في أريدو ظهر الإله أيا من البحر وأعطى العلوم ومنها الطب إلى الملك، وبذلك يكون الملك أول طبيب في التاريخ.

وهناك عائلة من الآلهة المسؤولة عن الطب والشفاء ، تبدأ بإلهة الماء الأولى التي تسيطر على المرض والدواء في وقت واحد ثم يتجسد في الإله "أنو" الذييطرحهما منفصلتين في الإله "أيا" الشافي(إله الماء) والإله" إنليل" الداء(إله الهواء)، وينجب أيا؛ "نركال" و"مردوخ" المعبرين عن المرض والشفاء.ويظهر فيالجيل الخامس "ننآزو" وزوجته كولا ،وقد سمى جاكوبسون "ننآزو" ونسله آلهة البساتين وهم جميعاً من آلهة العالم السفلي، ومعنى اسم ننآزو (العارف بالماء(وكانالطبيب يوصف بهذا اإسم)وكانت الشجرة أحد رموزه، وله إبن سينجبه في العالم السفلي هو"ننكيشيدا".

ويظهر في الجيل السابع "ننكيشيدا" إله الطب وزوجته" باو" إلهة ذوي الرؤوس السوداء(السومريون).ومعنى ننكيشيدا الحرفي هو(سيد شجرة الحياة) ويلقب فيالمدائح الإلهية بخادم الأرض الواسعة -حرفياً- محرك كرسي الأرض الواسعة، أي العالم الأسفل (6) ومع كل هذه الصفات الطبية فقد تغلبت عليه الصفات السيئةالمرعبة مثل؛ إله الموت والأوبئة وأشعة الشمس الحارقة، وكان يأخذ دور الإغتسال في العالم الأسفل، وكانت عبادته منتشرة في منطقة ديالى(مملكة اشنونا) حتىعصر أور الثالث، وحل محله الإله تشايك فيما بعد. (7)

وتختلف الشجرة عند البابليين والأكديين ولكن جوهرها يبقى واحداً:

-النشأة الإلهية للطب منذ أيا.

- العلاقة الجدلية بين المرض والشفاء.

-آلهة المرض وآلهة الشفاء هم أبناء الآلهة.

ويظهر شعار الطب عند السومريين كرمز للإله "ننكيشيدا" وهو يمثل أفعوانين حول عصا، ويستمر هذا الشعار في التاريخ حتى أيامنا هذه.

 

الشكل (1) رمز الإله ننكيشيدا، إله الطب عند السومريين. (10)

 

الأطباء:

"عثر في لجش على خاتم طبيب يرجع إلى 3000 سنة ق.م.,وعلى هذا الخاتم وجد مرسوماَ المعبود أيرو وهو إله الوباء والمرض"( 8 )

كما ورد ذكر طبيب في في لوح طيني اسمه "لولو"،عثر عليه في مدينة "أور" يعود تاريخه إلى 2700 ق.م. أما" أور لوجال ايدينا" فقد وصل خاتمه الإسطواني والكتابة المدونة على حجر نذري وكان يحتل وظيفة مهمة تحت حكم "أور نينجرسو بن جوديا"، ويظهر على خاتمه بعض الآلات الطبية التي تشبه الدورق والإبروالمباضع وأحقاب الزيت والأعشاب الطبية"(9)

 

ويسمى الطبيب " أزو" (ربما هي اصل كلمة آسي العربية التي كانت تطلق على الطبيب في بداية عصر الإسلام) ومعناه العارف بالماء،أو "يازو" أي العارفبالزيت، وتأتي الصلة بين الطب والماء، أن الماء أساس الحياة، وأن الإله "أيا" رئيس الآلهة هو رب الماء الذي هو مصدر الحياة.

النوع الثاني من العاملين بالطب هو المعزم، أو "الأشيبو" وهو من الكهنة ، ويقوم بطرد الأرواح الشريرة من أجسام المرضى وهو الطبيب الروحي بالإضافة إلىوظائفه الدينية الأخرى.

والنوع الثالث من العاملين في الطب هو أيضاً من الكهنة ويسمى "باروم" أي العراف ، وهو يكشف الطالع ويفسر الأحلام.

النوع الرابع هو الكاشف أو "كاشفو" ويستخدم السحر وهو امتداد للشامان القديم في العصور الحجرية.

وقد بقي تأثير هذه الأنواع من الممارسة الطبية حتى أيامنا هذه في معظم أنحاء العالم.

وقد وصل أقدم لوحين طبيين من السومريين يؤكدان على أهمية الطب السريري الخالي من الجوانب السحرية والأسطورية والدينية(10)، حيث كان الطبيبالسومري يلجأ إلى المصادر النباتية والحيوانية والمعدنية لعمل وصفات طبية. وكانت مواده المفضلة كلوريد الصوديوم(ملح الطعام)، وقار النهر والزيت الخام. وكانيستخدم من المملكة الحيوانية الصوف والحليب وترس السلحفاة وحية النهر. ولكن أغلب أدويته كانت تستحضر من عالم النبات؛ كالزعتر والخردل وشجرة البرقوقوالكمثرى والتين والصفصاف ونبات أل(من) والتنوب والصنوبر ، ومن منتجات مصنوعة كالجعة والنبيذ والزيت النباتي.(11)

وكانت المعابد في وادي الرافدين، هي المراكز الأولى للتي نشأت فيها العلوم والمعارف الدينية والدنيوية، وكان الكهنة يمتلكون المعلومات الطبية وبالتالي يمارسونالطب، وكانت بعضض المعابد تحتوي على مدارس طبية كعروفة ، فقد ذكرت مدرسة "نفر" التي كانت تدرس العلوم الطبية الخالصة التي يمارسها الآسو، كماذكرت بورسيا والوركاء.

"كما أن هناك لوحة طبية وجدت في (نيبو) يرجع تاريخها إلى نهاية الألف الاثالثة قبل الميلاد، ولعل أهم ما في هذه اللوحة هو أن ما فيها من وصفات ومعالجاتخال من ذكر الأرواح والسحر والتعاويذ وهي تعتمد كلياً على المادة في التطبيب وفي ذلك دفع لما ألصق بالطب القديم في وادب الرافدين بكونه مبنياً على السحروالدجل. ووجدت لوحة في "لكيش" ذات تارخ مماثل فيها ذكر لآلا جراحية، وطريقة استحضار بعض الأدوية، موقعة من طبيب اسمه(أوردكاليدينا)، وقد يكون هذاأول طبيب مسجل".(12)

دستور الأدوية:

أول دستور للأدوية الطبية (أقرباذين) وهو أول دستور في التاريخ يعود إلى نهاية الألف الثالثة قبل الميلاد وقد عثر عليه في مدينة نفر، وهو يوضح:

1- مصادر الأدوية الثلاثة؛ نباتات، حيوانات، معادن.

2- هيئاتها وأشكالها، مراهم قطرات.

3- طريقة التحضير

4- طريقة الاستعمال الخارجي: رش، دلك، غسل. والاستعمال الداخلي: تحضيرها ومزجها مع الجعة واستعمالها كمعقمات ومطهرات وقوابض.

5-يخلو من ذكر الأمراض وذكر المقادير وعدد مرات الاستعمال.

6- يخلو من ذكرالآلهة، أو الشياطين، أو الرقى والتعاويذ.

 

 

خلاصة:

لقد ورث الطب السومري جميع الخبرات الإنسانية السابقة واستطاع تدوينها وقد أضاف بلا شك ولكننا لا نستطيع تمييز ما هو قديم وما مستحدث، وإن كنا نستطيعأن نجزم أن التصنيف والترتيب يدل على مستوى أرقى من التحضر الإنساني. لقد احتفظ السحر بتأثيره كذلك الأصل الغيبي للأمراض والعلاج.

لقد تميز الطب السومري بأنه ترك لنا إرثاً كبيراً من المعلومات والطرق العلاجية ، وترك لنا شعار الطب الذي ما زال يستعمل في كل أنحاء العالم. كما ترك لناأوائل الأشياء ؛ أول طبيب، أول أقرباذين، أول كتب طبية.

 

الشكل(2) كهنة سومريون، النصف الأول من الألف الثالث ق.م. عن خزعل الماجدي ص.365 ، عن اندريه بارو سومر فنونها وحضارتها

 



 

 

 

 

 


 

الهوامش:

(1) ول ديورانت، قصة الحضارة ج 2 مجلد1شرق الأدنى . ترجمة محمد بدران- الإدارة القافية- جامعة الدول العربية 1971 ص:43)

(2) Medicine,an Illustrated History

,Leons &Petrucelli New York p.59 1978

(3)بخور الآلهة، خزعل الماجدي ص.145 الأهلية للنشر والتوزيع-عمان 1998.

(4 Medicine in ancient Mesopotamia, internet,<Http//viator.usc.indiana.edu/~ancmed/mesco.HTM>

(5) من الطب الأشوري،د.عبد اللطيف البدري، منشورات المجمع العلمي العراقي، 1976ص.ت.

(6) إنجيل سومر ،خزعل الماجدي ص.132 ،الأهلية للنشر والتوزيع-عمان1998 .

(7)(إنجيل سومر، خزعل الماجدي، ص.32-33 ، الأهلية للنشر والتوزيع-عمان 1998)

(8)الطب المصري القديم، د.حسن كمال، الهيئة المصرية العامة للكتاب-القاهرة،طبعة ثانيةن ص.13.

 

(8)خزعل الماجدي بخور الآلهة ص.149 الأهلية للنشر والتوزيع-عمان 1998.

(9) خزعل الماجدي بخور الآلهة 142 الأهلية للنشر والتوزيع-عمان 1998.

(10)"خزعل الماجدي ص. 142 كذلك كريمر، صموئيل نوح. السومريون ترجمة د.فيصل الوائلي منشورات وكالة المطبوعات ص.131. وكذلك باقر طه: مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة القسم

الأول ، شركة التجارة والطباعة المحدودة بغداد 1955 ص.366—

(11)من الطب الأشوري ،د.عبد اللطيف البدري، منشورات المجمع العلمي العراقي 1976 ص.ت.

(12) الصورة من كتاب Alte chirurgie, Detlef Rüster,VEB verlag Volk und Gesundheit Berlin 1985 P. 35

 
تاريخ الإضافة: | تاريخ التعديل: 2018-12-10 12:05:52 | عدد المشاهدات: 3547

شارك المقال مع أصدقائك

هل تريد التحدث مع طبيب الآن؟
Altibbi