حـول تاريـخ العــرب

حـول تاريـخ العــرب
د. عبد العزيز اللبدي
٢٩‏/١١‏/٢٠٠٨

تمهيـد : - يبدأ تاريخ العرب عند معظم المؤرخين بمرحلة ما قبل الإسلام أي المرحلة الجاهلية عند المؤرخين المسلمين وهي لا تمتد طويلاً بل ربما إلى 500 عام قبل الميلاد أي تاريخ الأنباط والعرب في تدمر، أو تاريخ الدول التي كانت تتكلم لساناً عربياً خالصاً. ويبدو اصطلاح العرب حديثا مقترنا بالانتساب إلى اللغة العربية أي في عصر الشعر الجاهلي والإسلام. أما قبل ذلك فإن شعوب المنطقة والتي كانت تتكلم نفس اللغة أو لغات ولجهات قريبة فإنها لم تكن تسمى بالاسم العربي، بل بأسماء ملوكها أو مناطقها أو مؤسسي دولها. وقد وردت أول إشارة إلى العرب في النصوص الآشورية أيام الملك شلمنصر الثالث ملك آشور وتبين لهم أن لفظة (عرب) لم تكن تعني عند الآشوريين ما تعني عندنا من معنى، بل كانوا يقصدون بها بداوة وإمارة كانت تحكم في البادية المتاخمة للحدود الآشورية(1). ووردت في الكتب البابلية جملة ماتو رابي ومعنى ماتو – أرض فيكون المعنى أرض العرب أو بلاد العرب وقصد بها البادية(2). وورد ذكرهم عند هيترودوس المؤرخ اليوناني 484 – 425 ق.م وأطلق لفظ Arabia على بلاد العرب. لقد ذهب معظم المؤرخين المحدثين في الغرب والمستشرقين عموماً إلى أن الجزيرة العربية كانت من أوائل المراكز البشرية التي تطورت فيها حضارة إنسانية وذلك في العصر الجليدي عندما كان الثلج يغطي أوروبا والنصف الشمالي من الكرة الأرضية.   "إن قلب الجزيرة وجنوبها كانا أسبق إلى الحضارة من العراق ومصر فلقد أكد شوينفرت أن زراعة الحبوب واستخدام الحيوانات المستأنسة قد ظهر في العهود القديمة غير المدونة في بلاد العرب وبلاد اليمن ومنها انتشرت إلى الفرات والنيل"(3). "وقد رأى بعض العلماء أن جزيرة العرب كانت في عصر البلايستوسين Pleistocene خصبة جداً كثيرة المياه تتساقط عليها الأمطار بغزارة في جميع فصول السنة وذات غابات كبيرة وأشجار ضخمة كالأشجار التي تجدها في الزمان الحاضر في الهند وإقريفيا، وأن جوها كان خيراً من جو أوروبا في العصور الجليدية التي كانت الثلوج تغطي معظم تلك القارة، ثم أخذ الجو يتغير في العالم وذابت الثلوج بالتدريج وتغير جو بلاد العرب بالتدريج. حدث ذلك في عصر النيوليتك Neolithic (العصر الحجري الجديد) أو الكالكوليتيك (العصر الحجري المتدني) Chalcolithic ولم يكن هذا التغيير في مصلحة جزيرة العرب لأنه صار يقلل من الرطوبة ويزيد الجفاف ويحول رطوبة التربة إلى يبوسة فيميت الزرع بالتدريج"(4). "ويرى كيتاني أن هذا التغيير الذي طرأ على جو جزيرة العرب إنما ظهر قبل ميلاد السميح بنحو عشرة آلاف سنة غير أنه لم يبرر ولم يؤثر تأثيراً محسوساً ملموساً إلا قبل الميلاد بنحو خمسة آلاف سنة وعندئذ صار سكان بلاد العرب وهم الساميون ينزحون عنها أمواجاً للبحث عن مواطن أخرى يتوفر فيها الخصب والخير وحياة أفضل من هذه الحياة التي بدأت تضيق منذ هذا الزمن"(5). إذن فقد كانت أسباب الهجرة من الجزيرة العربية هي النمو السكاني والبحث عن مصادر جديدة بالإضافة إلى الكوارث التي أصابت الجزيرة العربية كالبراكين في اليمن وغرب الجزيرة أو الجفاف وتغير المناخ أو الحروب الداخلية. وذهب بعض المؤرخين إلى أن أصل الساميين والعرب من شمال إفريقيا مثل جيرلند Gerland مستنداً إلى الدراسات الفيزيولوجية مثل تكوين الجماجم والبحوث اللغوية(6). واختار برنتون Brinton شمال غرب إفريقيا ولا سيما منطقة جبال الأطلس فجعلها المرجع الأصلي للساميين(7). وإن تحليلاً لغوياً فيلولوجياً للغات القديمة في الشرق الأوسط يدل على وحدة هذه اللغات ورجوعها إلى أصل واحد.   "لاحظ المعنيون بلغات الشرق الأدنى وجود أوجه شبه ظاهرة بين البابلية والكنعانية والعبرانية والفنيقية والآرامية والعربية واللهجات العربية الجنوبية والحبشية والنبطية وأمثالها فهي تشترك وتتقارب في أمور أصلية وأساسية من جوهر اللغة وذلك مثل جذور الأفعال وأصول التصريف: تصريف الأفعال في زمني الفعل الرئيسيين وهي التام والناقص أو الماضي والمستقبل وفي أصول المفردات والضمائر والأسماء الدالة على القرابة الدموية والأعداد وبعض أسماء الجسم الرئيسية"(8). ولقد قال غوستاف لوبون في كتابه الحضارة المصرية "إن كل جذور اللغة المصرية القديمة ومعظم قاموسها يتركب من عناصر سامية حتى أجروميتها فيما يتصل بتركيب المؤنث والجمع والكلمات البعيدة عن الأصل السامي ترد إلى الجنس الأسود الذي طرأ على مصر"(9). هذه المجموعة اللغوية التي يطلق عليها اصطلاحاً بالمجموعة السامية انطلاقاً من اصطلاح أدخله إلى التاريخ مؤرخ نمساوي هو أوغست لودفيج شلوتسر August Ludwig Schloetzer عام 1781، عاكساً النظرية التوراتية في أصل البشر وتقسيم الأجناس وإرجاعها إلى أبناء نوح مما هو مجال للشك حيث تهمل التوراة تاريخ الكثير من الشعوب في العالم ممن ليسوا في المنطقة العربية كشعوب شرق آسيا وأميركا الجنوبية كما يخضع التاريخ التوراتي لتناقضات كثيرة كإدخال حاميين ضمن الساميين والخلط بين اليافثي والحامي. وربما يشكل التاريخ التوراتي سجلاً أسطورياً بتقادم الزمن لتاريخ شعوب الشرق الأوسط فقط. حيث جغرافية التوراة ولكنه ليس تاريخاً موضوعياً أو عليماً بل يخضع لأهواء الأحبار الذين دونوا التوراة في حقب مختلفة لتخدم أهدافهم السياسية في كل مرحلة. هذا الاصطلاح "سامي" حبذا لو أُلغي واستعمل بدلاً منه "العربي" أو "العربي الأول" وقد نحى هذا المنحى كل من جواد علي ومحمد عزه دروزه وغيرهم كثيرون من المؤرخين العرب باعتبار أنه آن الأوان أن نكتب تاريخنا بأنفسنا حتى نتجنب أخطاء المؤرخين المستشرقين. 1-    فقد التزموا بالتوراة واعتبروها كتاباً مقدساً بالرغم من تناقض هذه الروايات مع الحفريات الحديثة من جهة ومع نفسها من جهة أخرى. يقول ارنولد توينبي "كانت اليهودية والهيلينية المصدرين الرئيسيين للحضارة الغربية"(10). 2-    تغريب الكلمات من خلال طريقة النطق وطريقة الكتابة الأوروبية التي تختلف عن اللغة العربية واللهجات المحلية واللغات الشرقية بشكل عام. 3-    خضوعهم للتأثير اليوناني والروماني في تفسير التاريخ والحضارة حيث اعتبروا اليونانيين رواد الحضارة الإنسانية بالرغم من تأخرهم ألفي سنة عن حضارات الشرق الأوسط. وقد كان اليونانيون عنصريين في ادعائهم ذلك، يقول ديوجين اللارتي Diogenes Leartius في أوائل القرن الثالث بعد الميلاد في كتابه حياة وآراء مشاهير الفلاسفة "هناك البعض ممن يقول إن دراسة الفلسفة لها بداياتها بين البرابرة. ويدعون بأنه كان للفرس مجوسهم وكان للبابليين أو الأشوريين كلدانيوهم وللهنود نساكهم، وأن هناك بين الكلتين والغاليين أناسا يسمون الدرويدين أو المقدسين، وهم يقولون كذلك أن موخوس كان فنيقيا وأن زامولكسيس كان تراقيا وأن أطلس كان ليبيا. إن هؤلاء الكتاب ينسون أن هذه المنجزات التي ينسبونها إلى البرابرة ترجع إلى الإغريق الذين لم تبدأ بهم الفلسفة فحسب بل الجنس البشري نفسه"(11). 4-    التأثر بالفكر الأوروبي الاستعماري السائد في أوروبا عند كتابة التاريخ وإخضاع التاريخ بالتالي لأهداف أوروبا في سيطرتها على العالم واعتبار أوروبا استمرار لاثيناً وتقسيم العالم بما يخدم أهداف الفكر والمصالح الاستعمارية، هذا بالاضافة إلى عدم اكتمال العلوم والبحث في أي مجال في ذلك الوقت وحتى الآن. لقد كان اكتشاف أهمية الحفرية مهماً جداً لإضفاء صبغة علمية ومادية على التاريخ حيث أنه تم إزاحة الستار عن كثير من الحلقات التي كانت مفقودة في فهم تطور الإنسان وتطور الحضارة الإنسانية واكتشاف شعوب وحضارات لم تذكرها الكتب ولا أخبار المؤرخين القدامى. لقد اعتمد المؤرخون العرب القدامى على نقل الأخبار عن السلف بما يكتنف ذلك من خلط بين الحقيقة والأسطورة وبين الحقيقة الدينية والحقيقة العلمية واعتمدوا فوق ذلك مصدرين الأول هو القرآن الكريم وما فيه من أخبار شعوب الجزيرة العربية وأبياتها بالإضافة إلى قصة الخلق وهي قصص دينية لا تدعي تأريخ العالم. والثاني هو التوراة والتي حوت تفصيلاً لأنساب العرب والعالم إلى آدم عليه السلام. يقول جواد علي(12). "أما متى دخلت أنساب التوراة إلى العرب ومتى ظهرت وشاعت بينهم فنحن لا نستطيع أن نحدد ذلك على وجه مضبوط القياس إلى أيام الجاهلية ولكننا نستطيع أن نقول أنه كانت تسربت إلى الجاهليين من اليهود وذلك بوجودهم في الجزيرة العربية، واتصالهم بالعرب وقد يكون أيضاً من النصارى أيضاً فقد تفشت النصرانية في أماكن من جزيرة العرب وبين بعض القبائل. ونستطيع أن نقول جازمين أن هذا القصص الإسرائيلي وهذه الأنساب التي يرويها أهل الأخبار لم تكن كثيرة الشيوع في الجاهلية وإنما هي شاعت وراجت في الإسلام". فحتى ذلك الزمان لم يكن علم الآثار قد اكتشف والعلوم المرافقة له، وبالتالي لم يكن من الممكن تحديد الأزمان أو التواريخ أو حتى أسماء الملوك والشعوب المذكورة. وقد عمد المؤرخين العرب إلى التقليل من أهمية تاريخ العرب في الجاهلية. وفي كلمة الجاهلية نفسها يكمن تحقير المسلمين لتلك الفترة قبل انتشار الإسلام وبالتالي لم يعيروها الاهتمام المطلوب هذا مع تحديد فترة الجاهلية إلى قرون قبل الإسلام. وفي كل ما ورد فيه دليل على أن صورة الأخبارين التي رسموها للجاهلية لم تكن صورة صحيحة متقنة، وأن ما زعموه من عزلة جزيرة العرب وجهل العرب وهمجيتهم في الجاهلية الجهلاء كان زعماً لا يؤيده القرآن الكريم الذي خالف كثيراً مما ذهبوا إليه"(13). وكان في اكتشاف حضارة وادي الرافدين وحضارة وادي النيل وفك رموز الكتابة الهيروغليفية والكتابة المسمارية إضاءة لنور جديد على الحضارات القديمة ودرجة تطورها وبالتالي إرجاع كثير من الأشياء إلى أصلها، وثم بعد ذلك فك الرموز الخط المسند     في اليمن ووضعت المعاجم اللغوية لدراسات اللغات القديمة فتوضحت العلاقات بين اللغات والحضارات. ونحن في هذه العجالة التي لا ترقى إلى بحث تاريخي نود أن نثبت الملاحظات التالية: 1-    وحدة أصل جميع الشعوب في الشرق الأوسط(14). من الجزيرة العربية إلى شمال إفريقيا، يدل على ذلك تطور اللغات في هذه المناطق مما يسمح أن نؤيد رأي الدكتور جواد علي في تسمية "ألعروبة الأولى" على المرحلة الأولى من تاريخ هذه الشعوب قبل الإسلام. ويسميها محمد عزه دروزه الجنس العربي. "ويجب أن نستدرك أمراً مهماً، وهو أننا حينما نقول "الجنس العربي" لا نقصد المعنى الفني الدقيق الذي يتميز به جنس بشري عن جنس آخر بخصائص جسمانية في الدرجة الأولى مما كاد أن يكون غير قائم منذ الأزمنة التاريخية المعروفة بسبب ما حدث من هجرات الأمم وتمازجها دماً ومصاهرة وتقاليد وعادات، وإنما نقصد به المجموعة البشرية التي عاشت في جزيرة العرب منذ أقدم الأزمنة التاريخية المعروفة، وتشاركت في اللغة والأفكار والتقاليد حتى صارت بها جنساً واحداً فلما أخذت تنساح من هذه المجموعة موجات إلى المناطق المجاورة للجزيرة كان ذلك التشارك قد تم بينها ثم ظل قائماً"(15). ويقول جواد علي "إذا أردنا أن يكون كلامنا علمياً أو قريباً من العلم وجب علينا إهمال كلمة الشعوب السامية والساميين، وتبديلها بكلمة الشعوب العربية و "العرب" لأن هذه التسمية ملموسة المفهوم، بينما تلك اصطلاح مبهم"(16). وهذه الصفة لا تشمل شعوب الشرق الأوسط فقط بل تمتد إلى شمال إفريقيا ومصر "ولكن المهم أ، صلة وثيقة كانت بين شمال إفريقيا والجزيرة العربية وأن هذه الصلة قديمة قدم التاريخ وأنها استمرت على مدى العصور وأنها تتبدى في اللغة القديمة أكثر ما تكون وضوحاً"(17). 2-    إن الشعوب تسمى عادة بأسماء ملوكها أو بأسماء المناطق كالكنعانيين نسبة إلى كنعان، أو الآشوريين نسبة إلى أشور، الذي هو اسم إله وهو اسم بلد، وفي رأي آخر، أنه مؤسسة دولة آشور. وكذلك في العصر الحديث كالسوريين نسبة إلى سوريا والسعوديين نسبة إلى آل السعود، والهاشميين إلى آل هاشم، أو الجزائر وتونس وهذه التسميات تشابه تسميات كالأكديين أو الفرعونيين أو الآراميين.   وكما لا تنفي التسميات الحديثة عروبة أصحابها فإن القديمة أيضاً لا تنفي وحدة اللغة والحضارة عند الشعوب، فشعوب المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج تتكلم لغات واحدة أو لهجات متقاربة منذ قديم الزمان وتعبد آلهة واحدة في جميع الأنحاء، بالرغم من اختلاف الأسماء حسب الأماكن. وحيث أنها جميعاً انطلقت من جزيرة العرب فإنها أجدر بتسميتها باللغات العربية. 3-    لقد انتشر الإسلام في مساحات واسعة من العالم، واعتنقه الكثير من الشعوب ذي اللغات المختلفة والعناصر والألوان المختلفة، ولم تكن غيرة هذه الشعوب على الإسلام تقل عن غيرها، بل أن كثيراً منها نشرت الإسلام في أركان الدنيا كالشعوب الفارسية والتركية والإفريقية، ولكن هذه الشعوب لم تتعرب بالرغم من دخول كثير من المفردات العربية إلى لغاتها. أما في بلاد الشام والعراق ومصر وشمال إفريقيا فقد انتشرت اللغة العربية بسرعة بل أن كثيراً منها نشرت الإسلام في أركان الدنيا كالشعوب الفارسية والتركية والإفريقية، ولكن هذه الشعوب لم تتعرب بالغرم من دخول كثير من المفردات العربية إلى لغاتها. أما في بلاد الشام والعراق ومصر وشمال أفريقيا فقد انتشرت اللغة العربية بسرعة بل أن هذه الشعوب تعربت بشكل لا يمكن تفسيره. إلا أن لغة هذه الشعوب هي لغة قريبة من اللغة العربية، بحيث لم يجد سكان هذه البلاد مشقة في تعلمها أو نطقها، وحافظت هذه الشعوب على طريقها في النطق، وقد حدثت مثل هذه المراحمة في مناطق مختلفة من العالم كفرنسا عند انتشار اللهجة الباريسية، أو إنكلترا عند انتشار اللغة الإنكليزية. وقد ساهم القرآن الكريم في الحفاظ على اللغة العربية كلغة فصحى بصفتها لغة ولهجة أهل قريش "إن أنزلناه قرآناً عربياً". بينما اقتربت اللهجات العربية منها محتفظة بكثير من كلماتها، وألفاظها التي تطورت عبر التاريخ، من اللهجات العربية القديمة أي لهجات القبائل المختلفة. 4-    وحدة الحضارة بين هذه الشعوب، فالقرب الجغرافي ووحدة اللغة سهّل التجارة بين هذه الشعوب وسهل بالتالي انتقال العلوم والمعارف كالرياضيات والأعمال الهندسية لبناء القصور والأبراج، وإقامة السدود وخزانات المياه. وازدهرت التجارة بين مختلف الشعوب، كتبادل المعادن والأخشاب والأحجار الصالحة للبناء والنحت والأحجار الكريمة للزينة والحلي. وقد ساعد هذا على ازدهار الصناعات كالتعدين والأصباغ وصناعة الخمور والصابون والزجاج والفخار. وانتشرت قصص وروايات أسطورية حول الشعوب وأبطالها، كما انتشرت الكتابة   المسمارية ثم الهيروغليفية، ثم انتشرت الحروف الفنيقية، وشاعت المعارف الفلكية وتقسيم الزمن وقياسه. وتطورت المعارف الطبية وتبادل المعلومات حول خصائص الأعشاب والنباتات والوصفات الطبية، وأن كانت التجارب والمعلومات الطبية تختلف في مصر عنها في وادي الرافدين في أن المصريين عرفوا التشريح والجراحة في أوقات مبكرة في حين أن العراقيين كانوا متحفظين أكثر فإن المعلومات والأطباء كانوا يتنقلون بين المدن المختلفة في جميع المناطق، ليس كما في العصر الحديث ولكن مما يتلائم مع السرعة والحركة في ذلك العصر، وانتقلت هذه العلوم من العرب إلى اليونان الذين طافوا في مصر وبابل ولم يأخذوا كل شيء حيث اعتبرت العلوم الطبية خاصة علوم كهنوتية سرية. وكانت النقلة الكبيرة في تعلم اليونانيين عندما استولى الاسكندر على البلاد العربية وبنى الإسكندرية وسكن في بابل، فاستباح العلوم العربية أيضاً. وكالن أن ظهرت طفرة في العلوم اليونانية فعرفوا التشريح وعرفوا النبض والكثير مما حافظوا عليه بعد انتشار الكتابة المصرية القديمة والمسمارية. وحمل الراية الأطباء السريان وهم عرب أيضاً منذ بداية العصر المسيحي إلى أن سلموها إلى الأطباء المسلمين، في العصور الإسلامية. وهكذا لم يجد العرب صعوبة في تعلمها بل والإخلاص لها ونشرها فبقى أبوقراط وجالينوس الطبيبين غير المنازعين عند الأطباء العرب إلى زمن طويل قبل أن يجرؤ البعض على تقدمها وتصحيحهما سواء في التشريح أو العلاج، وذلك بعد تمرس الأطباء العرب في العصور الإسلامية، وترجمتهم لكافة العلوم المتاحة لهم. وفي رأي سارتون "أن من سذاجة الأطفال أن نفترض أن العلم بدأ في بلاد اليونان"، فالمعجزة الإغريقية "سبقتها آلاف الجهود العلمية في مصر وبلاد ما بين النهرين وغيرهما من الأقاليم والعلم اليوناني كان أحياء أكثر منه اختراعاً"(18).  


 

 

1-    جواد علي ص 16، ج1 المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام. دار العلم للملايين – بيروت – مكتبة النهضة بغداد 1968.
2-    جواد علي – نفس المصدر السابق – ص 17 .
3-    ديورانت قصة الحضارة – ج2 ص 42.
4-    جواد علي – نفس المصدر السابق – ص 240.
5-    جواد علي – نفس المصدر السابق – ص 224 عن Montogomery Arabia and the bible P. 95.
6-    جواد علي – نفس المصدر السابق – ص 235.
7-    جواد علي – نفس المصدر السابق – ص 235.
8-    جواد علي – نفس المصدر السابق – ص 222.
9-    محمد عزت دروزه – الجنس العربي ج2 ص8.
10-    ارنولد توينبي – تاريخ البشرية ج1 ص 10 الأهلية للنشر والتزويع 1985.
11-    د. علي فهمي الخشيم – بحثا عن فرعون العربي ودراسات أخرى الدار العربية للكتاب 1985 طرابلس – ليبيا.
12-    جواد علي – نفس المصدر السابق – ج1 ص 416.
13-    جواد علي – نفس المصدر السابق – ج1 ص 67.
14-    لاحظ أن مصطلح الشرق الأوسط هو مصطلح أوروبي أيضاً وهو يعتمد أوروبا كمركز للعالم، وهو انعكاس لميزان القوى الحضاري والسياسي في القرون الأخيرة حيث تسود أوروبا على العالم.
15-    محمد عزت دروزه – نفس المصدر السابق – ج1 ص8.
16-    جواد علي – نفس المصدر السابق – ج2 ص 287 عن محمد عزت دروزه ج1 ص 18.
17-    د. علي فهمي الخشيم – نفس المصدر السابق.
18-    جورج سارتون تاريخ العلم ج1 ص 20 – دار المعارف بمصر 1976.

تاريخ الإضافة: | تاريخ التعديل: 2018-12-10 12:05:45 | عدد المشاهدات: 1820

شارك المقال مع أصدقائك

هل تريد التحدث مع طبيب الآن؟
Altibbi