سيكولوجية التقدّم في العمر

سيكولوجية التقدّم في العمر

"الزهايمر" أكثر الاضطرابات النفسية والعقلية التي تُصاحب التقّدم في العمر 

التقدّم في العمر أمرٌ لا بد منه لمن أمد الله في عمره ، وهو مرحلة عمرية يمر بها كل إنسان خلال حياته. لقد شاهدت فيلماً مؤخراً، بطله صحفي متزوج ويصل إلى سن الأربعين، فيقف متأملاً مسيرته الحياتية في حياته الزوجية وكذلك حياته المهنية كصحفي. يجلس وحيداً في حديقة، ويُحدّث نفسه "لقد بلغت الأربعين من العمر، وماذا بعد؟ ماذا عن مستقبلي المهني؟ ماذا عن حياة طفلي وزوجتي؟. لقد سئمتُ من العمل في المحل الذي أعمل فيه وأريد أن أغيّر المدينة التي أعمل بها وكذلك المؤسسة التي أعمل بها".

إن المشاعر التي مرّ بها هذا الصحفي، قد تمر بالكثير من الأشخاص في مراحل متعددة من العمر. بعض الأشخاص عندما يبلغ من العمر أربعين، يبدأ يُفكر في المستقبل، ويشعر أنه تقدّم في العمر، وأن مرحلة الشباب قد ولّت، وهذا خطأ كبير، حيث إن سن الأربعين هو سن النضج وبدء الحياة الناضجة والاستقرار في حياة المرء، وقد كتب عدد من الشعراء قصائد عن سن الأربعين، ولعل الشاعر السعودي الكبير الدكتور غازي القصيبي، رحمه الله كتب قصيدة عندما وصل سن الأربعين. وآخرون كتبوا عندما وصلوا سن الخمسين، مثل الشاعر المصري الكبير صلاح عبد الصبور الذي كتب كتاباً عندما شارف على الخمسين من العمر، اسماه "على مشارف الخمسين" تحدث فيه عن تجاربه الحياتية في العمل وكذلك في الإبداع. وكان واضحاً في هذه الكتابات مشاعر الكآبة التي كانت تُميّز شعر هذا المبدع الكبير، وكذلك ندمه على بعض الأمور التي لم يقم بها في حياته. و مع التقدّم في العمر ينتاب الكثير من الناس تغيُرات نفسية، تميل إلى الكآبة عند الكثير من المسنين، لذلك يرتفع معدّل الاكتئاب عند كبار السن. وقد كتب أيضاً كثيرون عندما بلغوا سن السبعين، مثل غازي القصيبي وكذلك الأديب اللبناني المعروف ميخائيل نُعيمة عندما كتب كتابه "سبعون". كانت كتابة الأشخاص الذين بلغوا السبعين تميل إلى التشاؤم وأن الرحلة – يقصدون رحلة الحياة – قد أوشكت على النهاية وأن شمس حياتهم قاربت من المغيب!.

 

التغيّرات الفسيولوجية التي تحدث مع تقدم السن

والتغيرات الفسيولوجية التي تحدث مع تقّدم السن، تختلف من مجتمع لآخر، كذلك فإن التغيرات النفسية كذلك تختلف من مجتمع لآخر، ففي الدول المتقدمة التي يعيش فيها المسنون بعيداً عن أبنائهم، ويعيش المسن في عزلة اجتماعية إما في دور للمسنين حيث يعيش بعيداً عن أهله وأقاربه وأصدقائه وتُسيطر الكآبة عليه، وتُشير الدراسات إلى ارتفاع نسبة الاكتئاب بين مثل هؤلاء المسنين. ما يحدث في الدول المتقدمة أصبح الآن يحدث الآن في دول العالم الثالث، حيث أصبح الابناء يتركون والديهم ويُهاجرون بحثاً عن العمل، أو يعيش الابن أو الابنة في منزل مستقل بعيداً عن والديه ويبقى الآباء يُعانون من الوحدة والعزلة التي قد تقود إلى الكآبة ومشاكل نفسية أخرى.

التقدّم في العمر يحمل معه مشاكل نفسية متعددة، إذ الكآبة غالباً ما تُرافق التقدّم في العمر عند الرجال والنساء على حدٍ سواء. فكما أسلفنا فالاكتئاب يزداد مع التقدّم في العمر، وإن كانت أعراضه تختلف عن أعراض الاكتئاب في المراحل المبكرة من العمر؛ حيث تكون أعراض الاكتئاب عند كبار السن مصحوبة بأعراض جسدية مثل الآلآم والاجهاد والشعور بالتعب لأدنى مجهود يقوم به المسن. ويُصاحب الاكتئاب عادة في هذه المرحلة العمرية القلق، وبالذات قلق الخوف من الأمراض وكذلك قلق الخوف من الموت. أحياناً يصل الأمر في الاكتئاب إلى أن يُصبح المسن كأنما هو يُعاني من الخرف (العته)، حيث يُصبح لا يتذّكر الكثير من الأحداث و يُجيب على معظم الأسئلة بـ "لا أعلم" ويُصبح مزاجه مُنخفضاً ويُعرف هذا بـ "الخرف الكاذب". أما أكثر الاضطرابات النفسية والعقلية التي تُصاحب التقّدم في العمر، خصوصاً بعد سن الخامسة والستين هو مرض الزهايمر، والذي يزداد مع التقّدم في العمر.

 

تدرج مرض الزهايمر 

قبل فترة ليست بالبعيدة تمت محاكمة الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك عن مشاكل تتعلق بوظائف وهمية حينما كان رئيساً لبلدية باريس، ولكن أشارت التقارير الطبية إلى أن القدرات العقلية للرئيس الفرنسي السابق متدهورة وإنه يُعاني من الزهايمر، وأنه غير قادر على تحمّل المحاكمة، وأن قدراته العقلية متدهورة بسبب هذا المرض. فمن كان يُصدّق أن أحد أهم الرؤساء والسياسيين الفرنسيين يصل إلى هذا الوضع العقلي المتدهور بسبب مرض ينتشر بين كبار السن.

 قبل ذلك كان الرئيس الأمريكي الأشهر، خلال نهاية القرن الماضي، رونالد ريجان بدأ يُعاني من الزهايمر وهو في سدة الرئاسة وانتبه المقربون منه لبداية الزهايمر عند رئيسهم، بل أن الرئيس بيل كلينتون عندما زار الرئيس ريجان لاحظ أن الرئيس لا يستطيع أن يستوعب الحديث وكذلك عدم قدرته على الربط بين الأحاديث المتداولة، وفيما بعد أتضّح أن الرئيس يُعاني من مرض الزهايمر، وقامت زوجته بمنع زيارة أي شخص للرئيس وكذلك رؤية أي شخص للرئيس بعد أن تدهورت صحته وقدراته العقلية حتى توفي والجميع محتفظ بصورة الرئيس في آخر أيام الرئاسة دون أن يُشاهدوا تدهوره وحالة بؤسه.

كذلك تم عرض فيلم عن السيدة الحديدية مارجريت ثاتشر، والتي كانت رئيسة وزراء بريطانيا لمدة ثمانية عشر عاماً وكانت مُسيطرة تماماً على حزب المحافظين، ولكنها الآن أصبحت تُعاني من مرض الزهايمر. واعترض كثير من مُحبي وأصدقاء ثاتشر على إظهار السيدة الحديدية وهي تُنادي زوجها دنيس الذي توفي منذ سنوات عدة، وضيّعت الكثير من الأمور بعد أن أصابها هذا المرض الخطير.

إن الزهايمر مرض بدأ يظهر بكثرة نظراً لارتفاع معدل متوسط الأعمار عند عامة الناس. وهو مرض مُرتبط بتقدم السن والآن نظراً لكثرة عدد الأشخاص الذين يتجاوزون السبعين والثمانين من العمر يكونون عرضةً للإصابة بمرض الزهايمر.

وعادة يبدأ الزهايمر بالتدريج ولا يُلاحظ الأهل والمقربون من الشخص ظهور أعراض المرض إلا بعد أن يتقّدم المرض ويستفحل ، نظراً لأن الأعراض لا تُبّين بصورةٍ مُبكّرة. في أحيان كثيرة يكون هناك خلط بين مرض الزهايمر واضطراب الاكتئاب ، نظراً لتشابه الصورة الاكلينيكية، ولكن يتم التفريق بين الزهايمر والاكتئاب بأن المريض الذي يُعاني من الاكتئاب يكون لديه تاريخ مرضي بالإصابة بمرض الاكتئاب في الماضي، بينما لا يكون لدى مريض الزهايمر تاريخ بالإصابة بأي أضطراب في المزاج.

كذلك المرضى الذين يُعانون من الاكتئاب، والذي يمكن أن يُطلق عليه "العته الكاذب" يمكن أن يُعرف تاريخ بدء المرض عندهم، بحيث إن الأهل يستطيعون أن يُحددوا تاريخ بدء المرض عند الشخص المريض بهذا المرض بينما الشخص الذي يُعاني من الزهايمر لا يستطيع أهله تحديد متى بدأ المرض لأن المرض يبدأ بالتدريج، كذلك مريض الزهايمر يحاول أن يتذكر الأحداث ويبذل مجهوداً لمحاولة التذّكر بينما مريض الاكتئاب يجيب على الأسئلة بـ "لا أعرف". وكذلك مريض الاكتئاب يستجيب للعلاج بالأدوية المضادة للاكتئاب، بينما مريض الزهايمر لا يستجيب للعلاج بالأدوية المضادة للاكتئاب. ومريض الزهايمر حالته تتدهور، وبرغم أن هناك أدوية لعلاج مرض الزهايمر إلا أن مفعوله لا يزال غير فعال ولم يؤت بتغيّر يُذكر في تغيير أعراض مرض الزهايمر.

 للأسف الشديد فإن مرض الزهايمر يتدهور مع الوقت، وحالة المريض تسوء مع مرور الزمن ويظل يُعاني من الانحدار في صحته الجسدية وكذلك قدراته العقلية حتى يصل إلى مرحلة صعبة لا يستطيع أن يخدم نفسه فيها ويُصبح عبئاً حقيقياً على من يعولونه.

مع التقدّم في العمر، ثمة اضطرابات وأمراض نفسية تزداد نسبة حدوثها مثل بعض الاضطرابات الذهانية التي تُشبه الفُصام تُسمى " البارافرانيا"، وفي هذه الحالة يشكو الشخص المسن من هلاوس معظمها هلاوس سمعية، وإن كانت هناك حالات قليلة تكون فيها الهلاوس بصرية، خصوصاً إذا كانت هناك اصابة عضوية في الدماغ ، خاصةً مع التقّدم في العمر، حيث يتعرّض المسن لبعض الأمراض التي قد تؤثر في تركيب الدماغ مثل الإصابات بالأورام أو الجلطات و التي قد يؤدي إلى أن يتعرض المسن إلى بعض الأعراض الذهانية والتي قد يكون منها الهلاوس البصرية. الأمر الجيد أن هذا الاضطراب قد يستجيب للأدوية المضادة للذهان، على أن يتم معالجة السبب الأساس في هذا الاضطراب إذا كان عضوياً بالأدوية والطرق العلاجية الأخرى.

 

مجلة بلسم العدد 446 لشهر آب 2012.

 

اقرأ أيضاً:

الشيخوخة: صديقة أم عدوّة؟

حقائق عن المسنين يجب ان نعرفها

التداعيات المرضية لفقدان حاسة الشم عند المسنين

كيف نجنب المسنين خطر الوقوع ؟

هل تريد التحدث الى طبيب الآن ؟

شارك المقال مع اصدقائك ‎


 ابراهيم الخضير ابراهيم الخضير استشاري في الطب النفسي
استشاري في الطب النفسي
Altibbi
https://www.altibbi.com/مقالات-طبية/صحة-المسنين/سيكولوجية-التقدم-في-العمر-1000
Altibbi Login Key 1 2 4