آلية رياضة

آلية رياضة
نهى احمد
١٧‏/٠٢‏/٢٠١١

  
من انواع الرياضة التي تركز على التنفس والحركات التناسقية هي رياضة "التايتشي" التي انتشرت في الآونة الاخيرة في بلدان اميركا اللاتينية، ومصدرها آسيا، وبالتحديد الصين. والسبب في ذلك انها التقت من حيث المبدأ مع الكثير من تقاليد سكان اميركا اللاتينية الاصليين وهم الهنود الحمر. ومن الحركات التي تمارس في رياضة التايتشي التنفس، وبالاخص التنفس عن طريق الانف.
ويقول تشاو، استاذ "التايتشي" في سان خوسيه، ان الانف نافذة الى الدماغ ومنشط له، فان انت تنفست من الانف الايمن قمت بتنشيط الشطر الايسر من الدماغ، والعكس صحيح، لكن كيف تتمكن من هذه العملية؟ وما اهميتها؟
بحسب تعليمات تشاو، تنفس من خلال انفك، خذ شهيقا ثم زفيرا ثم شهيقا ثم زفيرا، وأمسك مرآة امام منخريك، وسوف تجد اختلافا واضحا بين المنخرين في حجم الأثر المتكثف الناجم عن الهواء الخارجي.
ويضيف: "غريب اليس كذلك؟ في اية لحظة يستعمل الانسان كلا من عينيه في الرؤية وكلا من اذنيه في السمع، اما التنفس المفيد للدماغ فلا يكون بصورة رئيسية الا من خلال منخر واحد فقط. ويستمر التنفس من احد المنخرين فترة تمتد من ساعة الى ثلاث ساعات، ثم يحدث العكس لبضع دقائق. وقد كان الهنود الحمر اول من اكتشف هذا النظام وعلاقته بالدماغ، منذ اكثر من خمسة آلاف سنة، مع ان الدورة الانفية بحد ذاتها لم تثبت علميا الا في اواخر القرن التاسع عشر. ونعلم الان ان الدورة الانفية ليست الا واحدة من الدورات التناسقية في الجسم، التي تستمر عادة من ساعة الى ثلاث ساعات، بما في ذلك كثير من وظائف الأيض والقدرات المتعلقة بالادراك الحسي".
ونتيجة لتزايد الحديث عن اهمية التنفس بهدف تغذية الدماغ، جرت بحوث كثيرة حول هذا الموضوع، حيث تبين ان الايقاع الانفي هو نافذة إلى الدماغ، لأنه يعكس نشاط كل من شطري الدماغ. وقد ثبتت قيمته في معالجة الاضطرابات المتعلقة بالإدراك. وعلى الصعيد العملي، فقد يدلنا ذلك الى طريقة كي تساعدنا على تحويل اذهاننا تجاه افكار اكثر منطقية، أو الى الجانب الآخر الذي يعمل على تنظيم العمليات الحدسية.

ويشرح الاستاذ الصيني عملية التنفس هذا بالقول: "من المعلوم ان كلا شطري الدماغ يشتملان على نوع خاص من المهارات. فالشطر الايسر منه مسؤول عن تنظيم النشاطات التخطيطية، مثل اللغة والحساب، اما الشطر الايمن فيعالج مواضيع اكثر تجريدا مثل المهارات الجمالية والفراغية".
ويتبادل الشطران مناطق نفوذهما في ايقاع ثابت. وبشكل عام فان الطريقة السائدة في تفكيرنا تتحول من الشطر الايسر الى الايمن ثم تعود، وتتكرر رحلة الذهاب والعودة هذه حوالى عشر مرات كل اربع وعشرين ساعة. وهذا يعني ان من المحتمل ان تكون اكثر حظا في قدرتك على تدقيق العمليات الحسابية ونتائجها خلال الفترة التي يسيطر فيها الشطر الايسر من الدماغ، بينما يزيد استمتاعك بالمهارات الفراغية خلال هيمنة الشطر الايمن على الدماغ.
وتشير دراسات الى ان بامكان الفرد ان يميز الجانب الفاعل من دماغه في اي وقت ، وذلك عن طريق تحديد المنخر الذي يستعمله على الأغلب، لأن غلبة المنخر الايمن تترافق مع نشاط الشطر الايسر من الدماغ. أما سيطرة المنخر الايسر فتترافق مع ازدياد فعالية الشطر الايمن من الدماغ. والأمر الذي نستطيع ان نستفيد منه هنا هو ان بامكان الفرد ان يعمل على تحريض وتنشيط الشرط الدماغي الذي يريده، وذلك عن طريق تحويل تنفسه الى المنخر المناسب. وهكذا فان بامكانه ان ينشط عمل الشطر الأيمن من دماغه عن طريق الزام انفه على التنفس من المنخر الايسر او العكس.
ان الاستعمالات المحتملة لهذا التحول الدماغي التنفسي رائعة. واذا كانت معلومات المرء عن اقسام الدماغ وفعاليتها صحيحة، فان التحول في انماط التنفس سيكون عاملا مساعدا على تغيير الأمزجة والمواقف النفسية والذهنية. وعلى سبيل المثال فان اداء العمل يتقلب كل ساعتين تقريبا، فاذا كان تقلب المزاج او المهارة تسبب نوعا من فتور الهمة خلال اداء العمل، فمن الممكن ان تكون تمارين التنفس طريقة للخلاص من ذلك، او من ظواهر اخرى. حيث دلت التجارب ان استجلاب النوم العميق يمكن عبر التنفس من المنخر الايسر مع الاستلقاء على الجانب الايمن، اما قابلية الطعام وحسن اداء جهاز الهضم، فتكون عالية خلال سيطرة التنفس من المنخر الايمن، وفي هذا الصدد تقول فلسفة "اليوغا" ان الانسجام الجنسي يكون على اشده عندما يتنفس الرجل من المنخر الايمن والمرأة من الايسر.
ولقد صارت تمارين التنفس التي تهدف الى موازنة شطري الدماغ وتنشيط النمو الذهني، جزءاً مهما من حياة الذين يمارسون هذه الرياضة.
فكيف يعمل كل ذلك؟ 
من المؤكد ان العلاقة الدقيقة بين الانف والدماغ تبقى غير واضحة بالضبط ولكن مركز التحكم الدقيق في الدماغ، وهو الهايبوتلاموس او ما تحت السرير البصري، يلعب دورا مهما في هذا الموضوع، حيث ينظم عمل الجسم ككل. ومن خلال الجهازالعصبي اللاارادي، فان الهايبوتلاموس ينظم عددا ضخما من نشاطات الجسم التي تتصف بانها خارجة عن نطاق الارادة، بما في ذلك تقلصات الجهاز الهضمي على سبيل المثال.
ويتكون جهاز الاعصاب اللاارادي من شبكتين منفصلتين من الاعصاب الوردية السمباتية ونظيرة السمباتية مع افعال متعاكسة تجاه اي عضو من اعضاء الجسم. فبينما تعمل الاعصاب السمباتية على تقليص الأوعية الدموية مثلاً، فإن الأعصاب نظيرة السمباتية تعمل على توسيعها، وتنشأ الدورة الانفية عن تقلص الأوعية الدموي في احد المنخرين وتوسيعها في المنخر الآخر، الأمر الذي من شأنه ان يعمل على توسيع المنخر الأول وتضييق الثاني.
وما يلفت النظر أن دورة التنفس عبر المنخرين تعكس تناسق الجهاز العصبي على كامل الجسم. فعندما يكون المنخر الايمن هو الميهمن في العملية التنفسية، فإن الأوعية الدموية تكون متقلصة، الأمر الذي يشير الى ازدياد النشاط السمباتي وتاثيره على الجانب الايمن من الجسم. وفي الواقع هناك ثمة زيادة نسبية في الاعصاب الناقلة للنشاط السمباتي في الذراع الايمن خلال فترة سيطرة المنخر الاول. 



 مجلة بلسم لعدد شهر شباط (فبراير) 428، 2011

تاريخ الإضافة: | تاريخ التعديل: 2018-12-10 12:05:51 | عدد المشاهدات: 1793

شارك المقال مع أصدقائك

هل تريد التحدث مع طبيب الآن؟
Altibbi