كيف نتعامل مع الالتهابات وتداعياتها المرضية

كيف نتعامل مع الالتهابات وتداعياتها المرضية
نصري محيسن
٢٤‏/٠٥‏/٢٠١١

غيرت الابحاث في قضايا الالتهابات مفاهيم التفكير الطبي. فخلال ألفيتين من الزمن كان ينظر الى الالتهابات على أنها أمر ضروري، وحتىكاستجابة، أو رد فعل مفيد للأمراض والجروح. لكن اليوم يُظهر كلا نوعي الدراسات الرصدية والمختبرية أن الالتهابات قد تكون لعنة لانعمة، وهي العامل الشائع المسبب للعديد من الامراض, فهي تسبب امراض الشرايين والقلب والسكري والسرطان والزهايمر.

 

الالتهاب هو جزء من الاستجابة المناعية، أي انها عملية تعتمد على الأنشطة والافعال الطبيعية لخلايا الدم البيضاء والمواد الكيميائيةالتي تنتجها، مثل مضادات الاجسام والسيتوكاينز cytokines والمواد الاخرى المشابهة. وخلال العقود الاخيرة تعرف العلماء علىالعشرات من الجزيئات المناعية والالتهابية الجديدة والاساليب التي تتفاعل بموجبها. والمعلومات الخاصة بهذه الاساليب واتجاهاتها تعنيأن الالتهابات يمكن تنشيطها وإيقافها بطرق مختلفة، لكن المشكلة هي إذا ما تركت دون علاج من دون سبب واضح.

ولتبسيط الامور ما زال علماء المناعة يصفون الالتهابات على أنها تعتمد على أسلوبين أساسيين، الاول هو المناعة المتأصلة التي تعتمدعلى الحبيبات granulocytes وما يتممها. والحبيبات هذه عبارة عن خلايا دم بيضاء لا تعيش طويلا تحتوي على حبيبات مليئة بإنزيماتتقوم بإذابة المواد الغريبة على الجسم، أما ما يتممها فهي مجموعة من البروتينات الدوارة التي تنتج سلسلة غزيرة من النشاطالانزيمي في حضور الميكروبات. أما الاسلوب الثاني فهو المناعة المكتسبة التي توجه مباشرة الى الميكروبات التي غزت الجسم قبلا،وهي من مسؤولية خلايا الدم البيضاء اساسا، والتي تدعى «اللمفاويات» lymphocytes. والليمفاويات التائية، أو الخلايا التائية، هيعبارة عن القائدة الاستراتيجية للعملية التي توجه الخلايا والمواد الكيميائية لاستئصال العدو الغازي. أما الليمفاويات البائية، أو الخلاياالبائية فتقوم بانتاج مضادات الاجسام التي تتعلق بمسببات المرض (الممرضات) المحددة مع استدعاء المتممات والمكملات المشاركةللمساعدة في القضاء على الغازي. وتقوم البلاعم macrophages، التي هي في الواقع الملتهمات الكبيرة، التي تعيش على الفطائس،بالقضاء على بقايا الميكروبات والحبيبات وأنقاض الخلايا الناجمة عن «الاشتباكات». وهي أثناء تنظيفها والتخلص منها، تعالج البلاعم أيضاالمعلومات الخاصة بمسببات المرض الافرادية وتنقلها الى اللمفاويات التي تخزنها للرجوع اليها مستقبلا.

وأثناء التخلص من مسببات المرض تقوم الخلايا التائية بوضع حد للاستجابة الالتهابية لكي تبدأ عملية تجديد النسيج من جديد، الذيأصيب بالتلف نتيجة الاشتباك مع الغازي، أو بسبب «النيران الصديقة» الصادرة عن نظام المناعة. وتصل الأرومات الليفية، وهي خلايا تنتجالكلاجين (مغراء) والفبرين (ليفين)، لتركب سقالة لانتاج الخلايا النسيجية الجديدة، فإذا كان التلف كبيرا يقوم الفبرين والكلاجين بزيادةسماكته بما يكفي للحلول محل النسيج الأصلي مشكلا ندبة.

الالتهابات المزمنة

وصف الطبيب الروماني، أرليوس كورنيليوس سيلسس في القرن الاول الميلادي، العلامات الاربع الكبرى التي تنم عن وجود الالتهاب.فقال «كالور» (الحرارة)، «دولور» (الالم)، و«روبور» (الاحمرار)، و«تيمور» (الورم). وما زالت هذه المصطلحات اللاتينية تستخدم لتعليمطلاب الطب في يومنا هذا. لكن الاعراض هذه ما هي إلا اشارات صغيرة عن الورم المزمن، ففي أغلب الاحيان يبقى الالتهاب المزمنمخفيا على المريض وعلى الطبيب أيضا. وهو يحدث عندما لا يجري القضاء كليا على العامل الذي اطلق شرارة الاصابة، أو عندما لاتستدعي الخلايا التائية القامعة، نظام المناعة وتبطل عمله بعدما يكون الجسم قد رد العدوان.

وجميعنا، نحن البالغين، لدينا مستوى ما من الالتهاب الذي يشن حرب استنزاف على الانسجة والاعضاء، التي يمكن رؤية دلائل نشاطهفي فحوصات الدم. ولكن هذا النشاط لو تعدى مرحلة، أو مرحلتين، يمكن لهذا الالتهاب المزمن التهام الجسم بحيث يصبح التلف كبيرا.

وفي الواقع لدينا بعض دلائل التهابات كاسحة، التي تجتاح عادة الحدود المرسومة لها، فقد دلت الدراسات الرصدية مثل دراسة«فرامنغهام هارت ستدي» و«نيرسيس هيلث ستدي» معدلات منخفضة من الامراض التنكسية في الاشخاص الذين يتناولون عادةعقاقير مضادة للالتهابات غير ستيرودية NSAID بانتظام لمعالجة آلام والتهابات المفاصل (أرثرايتس). كما لوحظت معدلات عالية منبروتينات رد الفعل "سي "CRP، التي هي إشارة الى وجود التهاب يقترن بالعديد من الامراض.

لكن في أغلب الاحيان يجري تنظيم أفكارنا المتعلقة بالامراض حسب نظام الاعضاء. من هنا مال العلماء الى التركيز على اساليب الورمالتي تستهدف أعضاء أو نسجا محددة. من هنا شرعوا في تفهم كيفية قيام الالتهابات بتمهيد الطريق الى الامراض والحالات التالية:

 

القلب:

 

دلت الابحاث الخاصة بالاوعية القلبية ان الالتهابات تعمل بالتناسق مع، أو عند إزدياد معدلات كوليسترول الشحومات الخفيفة LDL التيينتج عنها تصلب الشرايين. فعند ارتفاع ضغط الدم تصبح هذه الشحومات مؤكسدة، وهذا ما يجعلها معروفة من قبل نظام المناعة،وعرضة أيضا الى الالتهام والهضم من قبل البلاعم. وتقوم البلاعم المحملة، أو المشبعة بالشحوم، بقدح شرارة نشاط المكملات التيتتلف بطانة الأوعية الدموية، تلك الطبقة من الخلايا التي تبطن داخل الاوعية الدموية. وتتسلل البلاعم وحمولتها من الدهونات والشحومعبر الصدوع الناتجة لتكمن الى جانب الجدار الشرياني، حيث تتغلف هناك داخل قشرة من الفبرين (ليفين) لتشكل لويحة ترسبات(بلاك) شريانية. وكلما نمت اللويحة وتوسعت وزاد الضغط على طبقتها من الفبرين، كلما زاد خطر تمزقها وتصدعها مشكلة خثرات منشأنها أن تسد مجرى الشريان القلبي الذي يزود الاوكسجين الى عضلة القلب. وهنا تبدأ نسج القلب التي يغذيها الشريان بالموتمسببة سكتة قلبية.

واثبتت الدراسات أن الاشخاص الذين تصل معدلات الـ CRP لديهم الى الثلث الاعلى معرضون بنسبة مرتين للسكتات القلبية مقارنةبالاشخاص الذين يتراوح الـCRP لديهم في الثلث الاسفل. ويزداد الخطر أيضا اذا كان الشخص يعاني من ارتفاع نسبة الكوليسترول. لذلكفإن الكثير من الاطباء يضيفون فحص نسبة CRP الى مجموعة الفحوصات والاختبارات الخاصة بالبالغين.

 

السكري:

 

أظهر العديد من الدراسات الرصدية أن الاشخاص الذين يعانون من ارتفاع نسبة CRP معرضون أكثر من غيرهم الى قيام أجسامهمبمقاومة الانسولين، وهي إشارة الى الاصابة الكاملة بالسكري بحيث تقوم خلايا الجسم برفض الانسولين، وبالتالي عدم تمثيل الغلوكوزالذي يدور في الدم تمثيلا غذائيا (الايض). واكتشف الباحثون أيضا أن الاشخاص الذين يصابون في النهاية بالسكري يملكون مستوياتعالية من الجزيئات المسببة للالتهابات بما في ذلك TNF وهي جزيئات تنتجها البلاعم والخلايا التائية.

ويبدو أن TNF تزيد من انتاج الكبد للغلوكوز وللشحوم الثلاثية (ترايغليسرايدس)، كما تتدخل في عمل واجبات ومهام الانسولين كمرافقللسكر في الدم. وأكثر من ذلك فان للأنسولين ذاته تأثيرا خاصا مضادا للالتهابات. لذلك فان الالتهابات لا تقوم بتهيئة المسرح لمقاومةالانسولين، لكنها تضاعف وتسرع ايضا هذه العملية، وبالتالي الاصابة بالسكري الكامل.

 

السرطان:

 

قبل 150 سنة تقريبا أطلق عالم الامراض رودولف فيرشو على مرض السرطان بـ «الجرح الذي لا يلتئم» بعدما لاحظ أن نسيج الاورامالسرطانية الخبيثة يحتوي على تركزات عالية من الخلايا المسببة للالتهابات، وأفترض أن الأورام هذه تشكل غالبا مواقع للالتهاباتالمزمنة. وأظهرت الأدلة الحديثة أنه كان على حق، لأن نحو 15 في المائة من الأمراض السرطانية، بما في ذلك سرطانات الكبد وعنقالرحم والمعدة، لها علاقة مباشرة ووثيقة بالأمراض المعدية. فدخان السجائر والاسبستوس يحتويان على مواد مسببة للالتهابات،والتعرض للاول يسبب سرطان الرئة، والتعرض للثاني يسبب الـ «ميزوثيليوما» وهو سرطان بطانة نسيج الصدر.

واكثر من ذلك أظهرت الابحاث المخبرية أن منتجات التفاعلات الالتهابية، مثل أنواع من الاوكسجين الناجم عن ردود الفعل، يتلف الحامضالنووي الريبي المنقوص الاوكسجين (دي إن إيه) في الخلايا منتجة جينات متحولة (ممسوخة) تؤدي الى السرطان. وتقوم البلاعم التيتحشد الجزيئات في العملية الالتهابية بتمخيض وتهييج العديد من عوامل النمو السرطاني، كما يظهر أنها تحث على الـ«أنجيوجينيسيس» التي هي عملية نمو أوعية دموية جديدة تقوم بتغذية الخلايا السرطانية بالدم. وبإيجاز يبدو أن الانسجة الخبيثة تبدأبالسيطرة على العديد من الاسلحة المقاومة للالتهابات التي ترسل وتشرع للقضاء عليها.

 

الزهايمر:

 

كان الاطباء يعتقدون أن الجهاز العصبي المركزي هو خارج سيطرة جهاز المناعة، إذ يعمل حاجز الدم/الدماغ المكون من شعيرات مشدودةبعضها الى بعض مثل محام دفاع يعزل الخلايا والجزيئات المسببة للالتهابات بحيث لا تدخل الى الدماغ. لكن الدراسات الرصدية وجدتروابط بين «الاسبرين والايبوبروفين والنابروكسين» التي نشير اليها هنا بـ NSAID ومثبطات COX-2 وغيرها من الادوية والعقاقير المضادةللالتهابات التي تخفض خطورة الاصابة بالزهايمر. علاوة على ذلك قد يكون للدماغ فرعه الخاص من نظام المناعة، حيث تقوم الخلاياداخل الدماغ التي تدعى «مايكروغليا» microglia التي هي نظيرة البلاعم، بالتهام المواد الاجنبية الدخيلة واطلاق TNF-a والجزيئاتالاخرى المقاومة للاتهابات. إلا أن الانتاج الزائد لجزيئة تدعى «بيتا ـ أميلويد» beta-amyloid من شأنه أن يلعب دورا مهما في إبتداء مرضالزهايمر، لكن مع اشتراك الاستجابة المناعية ربما أيضا. ولكن حالما تقوم «مايكروغليا» بالتهام «بيتا -أميلويد» تصبح مغلفة بالفبرينمشكلة خصائص لويحات المرض.

الوقاية من الالتهابات

باتت الالتهابات حقلا خصبا للابحاث، إذ إن الجين المنتج لبروتين «سيلينوبروتين إس» selenoprotein S الذي يلعب دورا محوريا فيالسيطرة على الالتهابات قد يؤدي الى التنبؤ، عن طريق الاختبارات، بمرض الاشخاص الذين هم عرضة أكثر من غيرهم الى الاصابةبالاضطرابات الالتهابية، والى تطوير عقاقير جديدة للالتهابات المزمنة. وهناك الآن العشرات من العوامل المضادة للالتهابات في الاسواقالتي تراوح بين الاسبرين العادي الى الجزيئات العالية التقنية المصنعة بالهندسة الحيوية لعلاج الربو والتهاب المفصل الرثياني والتصلباللوحي المتعدد (إم إس). واستخدام NSAID هو فعل متوازن، لانه في الوقت الذي يقوم فيه بتخفيف نيران الالتهابات الا انه قد يسببايضا نزيفا في المعدة وتلفا في الكبد والكلى. أما مثبطات COX-2 ، خاصة «روفيسوكسب» (فيوكس)، فقد ارتبط اسمها بزيادة نسبةمخاطر السكتات القلبية. ومع ذلك فإن جرعة يومية مقدارها 81 مليغراما من الاسبرين بالنسبة الى الاشخاص الذين هم على درجةعالية من الخطورة بالنسبة الى السكتات القلبية، هي أفضل علاج.

والاجراءات الطبية العادية قد تساعد أيضا، كالفحص الدوري للاسنان رغم تضارب الادلة، لكن بعض الابحاث اشارت الى علاقة محتملة بينأمراض اللثة وأمراض القلب والشرايين. ينبغي تناول الجرعة الكاملة الموصوفة من المضادات الحيوية لمنع الالتهابات التي تدوم وتتسكع،أو عودة الاصابة بها عن طريق سلاسل البكتيريا المستعصية (المقاومة المكتسبة لمضادات الحيوية).

وتبقى الوجبات الغذائية المنخفضة السعرات الحرارية والتمارين الرياضية المعتدلة هي أفضل وسيلة للحيلولة دون الاصابة بالامراضالالتهابية التنكسية. ثم إن البدانة مرتبطة بـ معدلات الـ CRP وبالدهون السيئة والكربوهيدرات النقية المكررة. كما أن الدسم والدهوناتالمشبعة والشاذة تميل الى إضعاف الاستجابة المناعية وردود فعلها، في حين أن الحوامض الدهنية الغنية بـ «أوميغا 3» (في زيوتالسمك) والدهونات غير المشبعة مثل زيت الزيتون وزيت كونولا مفيدة جدا. كذلك فان الكربوهيدرات النقية العالية المعالجة قد تروجللالتهابات عن طريق المساعدة في تشكيل الجذور الحرة، من هنا فإن الحبوب الكاملة والكاربوهيدرات غير النقية أو المعالجة هي أكثرفائدة وصحة.

 

 

إشارة:

 

 

أعدت هذه المادة بتصرف عن "خدمة هارفارد الطبية، كمبردج" ولاية ماساتشوستس الامريكية.

 

 

 

 

 

 

 


 

مجلة بلسم العدد 431 لشهر أيار (مايو) 2011.

 

 

تاريخ الإضافة: | تاريخ التعديل: 2018-12-10 12:05:52

شارك المقال مع أصدقائك

هل تريد التحدث مع طبيب الآن؟
Altibbi