كارثة الإدمان

كارثة الإدمان

د. ماجد عيسى
2009-01-26

إن استخدام المواد المخدرة من قبل شرائح مختلفة من الشباب وحتى الكبار قد إجتاح العالم منذ الستينات، لدرجة أن البعض يحلو له أن يسمي مشكلة تعاطي المخدرات ب " طاعون العصر الحديث "، فمنذ حوالي ثلاثون عاماً كان الإستخدام غير القانوني للمواد المخدرة يقتصر على عدة مجموعات دوائية فحسب، مثل الكحول والحشيش والأفيون والتوباكو، أما الآن فقد اتسعت دائرة الإدمان لتشمل مجموعات دوائية أخرى مثل منبهات الجهاز العصبي ( الامفيتامين، والامفيتامينات والكوكايين )وعقارات الهلوسة مل: ال. اس. دى.((L. S  D.. والمسكالين، واجيال جديدة من الافيونات مثل 
( الكودايين والميبيريدين والميثادون والهروين وغيرها )، هذا بالاضافة الى المواد الطيارة مثل البنزين والغاز المضحك ( اكسيد النيروز ).

كذلك فإن ادمان المواد المخدرة لم يقتصر على فئة معينة من فئات أي شعب ولكنه للأسف الشديد يشمل كل الفئات وطوائف الشعب من فقراء وأغنياء وشبان وشيوخ ورجال ونساء لذا أصبح كارثة حقيقية تهدد المجتمع الدولي كافة.
 
ولتوضيح حجم مشكلة المخدرات يمكن أن نقول أن اخر إحصائيات هيئة الصحة العالمية تؤكد أن نحو 3% من السكان العالم أجمع يعانون من مشكلة الإدمان، وإذا كان تعداد سكان العالم يصل تقريبا إلى 5 مليار، فإن يعنى إن هناك حوالي 150 مليون مدمن على مستوى العالم. وفي الولايات المتحدة الأمريكية هناك نحو مليون شاب يدمنون الهروين لوحده، ولقد وصل الحال بأن مدمني الهروين ينفقون كل يوم حوالي 100 مليون دولار، والتجربة الأمريكية في مواجهة الإدمان كلفت الخزانة الأمريكية حتى الآن حوالي 100 مليار دولار، وتكلفها سنويا نحو 6 مليارات دولار، هذا بالإضافة إلى خسارتها في شبابها وفي ثروتها التي تتبدد في شراء السموم البيضاء، كذلك فإن الإحصاءات في أمريكا أكدت على أنه في خلال السنوات الخمس والعشرون الماضية أن الفئة العمرية من 15 ـ 54 سنة، هي الفئة الوحيدة التي تتزايد فيها معدلات الوفيات، وتتكرر فيها حالات الإنتحار بدرجة كبيرة تدعو إلى القلق، وأدى انتشار الإدمان في الولايات المتحدة إلى انخفاض من معدلات تلاميذ المدارس منذ 1964، وأدى أيضاً إلى معدل تسرب التلاميذ من المدارس الثانوية بنسبة وصلت إلى 25% على مستوى كافة الولايات.

هذه بعض الأرقام التي تشير إلى حجم مشكلة الإدمان على مستوى العالم بصفة عامة وعلى مستوى الولايات المتحدة الأمريكية بصفة خاصة، أما على مستوى الدول العربية فإن هناك دراسة علمية قد أجريت على تحديد حجم مشكلة الإدمان داخل الجامعات المصرية قد وقعوا في شرك الإدمان.

إن حجم مشكلة الإدمان لا يتصورها احد، إن حجمها فاق كل تخيل.
 
إن حرب المخدرات التي يجب أن تخوضها الأمة العربية هي أبشع بكثير من حرب الجراثيم، فحرب الجراثيم رغم تحريمها وبشاعتهاـ محددة بزمن معين هو زمن الحرب ومكان معين هو ساحة القتال، ولكن في حرب المخدرات، فان الزمان لا ينتهي والمكان هنا هو امة بأسرها، والهدف من حرب المخدرات هو قلب الأمة وشبابها، فتصوروا أن أمة كاملة يغرق شبابها في بحور الإدمان.
 
وللإدمان آثاراً ضارة على الفرد والمجتمع، فمن المؤكد أن الإدمان له أضرار جسمية على صحة الأفراد، كما أن للإدمان آثارا إجتماعية واقتصادية وسياسية وأمنية ودولية.
 
1) الأثار الصحية للإدمان :ـ
 
تتمثل في أن تعاطي المخدرات يضر بسلامة جسم المتعاطي وعقله وهذا الضرر تختلف درجة خطورته تبعاً لخصائص الدواء المستخدم ووسيلة تعاطيه ويختلف أيضاً تبعاً لشخصية المتعاطي وللبيئة التي يجرى فيها التعاطي، كما أن الإفراط في تعاطي المخدرات والإنقطاع المفاجئ عن تعاطي العقاقير المسببة للإعتماد الجسدي قد يتسببان في وفاة المتعاطي أو إصابته بالجنون.
 
وتعاطي المخدرات له خاصية إنتشار المرض المعدي فعلى سبيل المثال فإن تعاطي الحشيش كثيراً ما يتم جماعياً وغالباً ما يستعمل المتعاطون نفس السيجارة المحشوة بالحشيش أو نفس المبسم ... وفي كلتا الحالتين يكون من السهل في حالة تواجد مريض بمرض معدي نقل هذا المرض لبقية أفراد المجموعة، كما تنقل الإبر الملوثة التي تستخدم في حقن المتعاطين بالعقاقير المخدرة مثل الهروين والماكستون فورت أمراضاً كثيرة أخطرها الإلتهاب الكبدي الوبائي ومرض نقص المناعة المكتسبة المسمى الإيدز.
 
وبالرغم من أن الأضرار الصحية الناجمة عن الإدمان تختلف باختلاف المادة المخدرة، إلا أن هناك أضرار صحية عامة تنتج من جراء الإقبال على تعاطي المواد المدمنة ويمكن تلخيص هذه الإضرار فيما يلي :ـ
 
1)      إصابة المدمن بحالة من الهدوء والنعاس.
 
2)      الشعور بالزهو أو السعادة الكاذبة والتي لاتفسير لهما.  
 
3)      نوم مضطرب، كوابيس، التعرق أثناء الليل.
 
4)      الشعور بالقشعريرة والرجفة.
 
5)      فقدان الشهية والإتجاه إلى أكل ما هو تافه من الأغذية والحلويات.

6)     التهاب الحلق ، سعال شعبي، أنف مرتشح، حشرجة ربوية والآم بالصدر.
 
7)      شحوب وإصفرار الوجه.
 
8)      ظهور طفح جلدي مع ميل إلى حك الجلد.
 
9)      لخبطة في الكلام، والتكلم بصعوبة.
 
10) التكلم بسرعة أو بصوت منخفض.
 
11) الإصابة بالاكتئاب.
 
12) صعوبة مقاومة نزلات البرد والعدوى.
 
13) الإصابة بالطفيليات وحيدة الخلية في الدم، تعب، غثيان عرق، رعشة.
 
14) قلق حاد مصحوب بأفكار موسوسة.
 
 (15الإفراط في التدخين وحروق الأصابع.
 
16) حالة من الكسل العام، تعب ملحوظ، الإفراط في التثاؤب.
 
17) عصبية زائدة مع سرعة الاستثارة.
 
 
 
2)الآثار الاجتماعية للإدمان :ـ

الأسرة هي الخلية الأساسية في المجتمع، إذا صلحت صلح المجتمع بأسره، 
وإذا فسدت إنهار المجتمع، والأسرة أهم عامل يؤثر في التكوين النفسي للفرد البيئة التي يحل بها فور ولادته وخروجه إلى الحياة، ومن المؤكد أن وجود خلل في نظام الأسرة من شأنه أن يحول دون قيامها بواجبها التعليمي والتربوي تجاه أبنائها.
 
وأضرار الإدمان الاجتماعية تتمثل فيما يلي :
 
1.     ولادة أطفال مشوهين من أمهات يتعاطون الهروين أو الحشيش مثلاً.
 
2.  ضعف القدرة الإنتاجية للفرد مما يؤدي إلى انخفاض دخلة، الذي يكون غير كافياً لإشباع احتياجات الأسرة، الأمر الذي يدفع بعض أفراد الأسرة إلى انتهاج سلوك منافي للقانون.
 
3.  متعاطي المخدرات يعطي المثل السيئ لأفراد أسرته، فهو غالباً ما ينساق وراء نزواته وغرائزه التي تحكمها الإرادة في الظروف العادية، وعندما يكون الشخص تحت تأثير المخدر فإنه يأتي ببعض التصرفات والسلوكيات التي لا تليق به كأب أو كأم.
 
4.  متعاطي المخدرات ليس لديه القدرة على رعاية أبنائه وتنشئتهم على الأخلاق القويمة وتقدير المسؤولية ذلك لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
 
5.     تعاطي رب الأسرة يمكن أن يقود إلى نقل هذه العادة بل والمرض السيئ إلى بقية أفراد أسرته.

6.  تعاطي المخدرات يخلق جو من عدم الأمان في الأسرة، وذلك لأن منزل المدمن يكون غالباً تحت أعين رجال الأمن، وهو عرضه للتفتيش في أي وقت والعديد من المرات، هذا الأمر يخلق جو من عدم اإلإحساس بالأمان، وهذا بالأضافة إلى إحساس كافة أفراد الأسرة بأن عائل الأسرة غير قادر على الأنفاق عليها.
 
 
 
3) الآثار الاقتصادية للإدمان :ـ  
 
المخدرات تكبد الدولة نفقات باهظة، وأولى هذه النفقات تتمثل في ما تدفعه الدولة من أموال في جلب واستهلاك المخدرات، وتتمثل الآثار الإقتصادية السيئة للإدمان فيما يلي :ـ

1.  وللأسف الشديد فإن معظم الدول العربية هي من الدول المستهلكة للمخدرات وذلك يعني أن نفقات استهلاك المخدرات تجد طريقها إلى الخارج ولا تستثمر في الداخل، وغالباً ما يؤدي ذلك إلى إنخفاض قيمة العملة المحلية إذ أن العملة المفضلة لدى تجار المخدرات هي الدولار.

2.  هذا بالإضافة إلى أن تعاطي المخدرات من قبل بعض الأفراد ينقص القدرة على بذل الجهد، ويستفيد الجزء الأكبر من طاقاتهم فيما لا يجدي، ويضعف قدراتهم على البحث والإبداع والابتكار، وتقدير قيمة هذا الضعف مضياع قدرات المدمنين. على النواحي الاقتصادية في مجتمع ما يتطلب عملية حصر شاملة لأعداد هؤلاء المدمنين.
 
3.     والإدمان يؤدي أيضاً إلى زيادة نفقات كافة الأجهزة الوطنية المعنية بمشكلة المخدرات من جميع جوانبها.
 
4.  مساهمة الدول المعنية بمكافحة المخدرات في تمويل الأجهزة الدولية ( مثل الأمم المتحدة مثلاً ) التي تهتم بمشكلة المخدرات.
 
5.  كل المشاركين في حلقة المخدرات ( من مدمن، ومهرب، وزارع، ومنتج، وصانع وناقل ) هم طاقات معطله سواء أكان ذالك أثناء ممارستهم لنشاطهم الشرير أو أثناء وجودهم داخل أسوار السجون لتنفيذ العقوبة المحكوم بها عليهم.
 
4) الآثار السياسية والأمنية للإدمان :ـ

وللإدمان أثار على الشؤون السياسية لأي مجتمع ذلك لأن مدمن المخدرات يمكن أن يكون فريسة سهلة لمخابرات العدو بحيث يمكن تجنيده للعمل ضد وطنه، ذلك لأن المدمن في حاجة مستمرة إلى المال، فيقوم العدو بتجنيده وإعطائه المال الذي يشبع حاجته من المادة المخدرة.
 
كذلك فإنه عندما تنتشر المخدرات في مجتمع ما، ينتشر الفساد وتنهار القيم، وقد يترتب على ذلك انتشار العنف والإرهاب.
 
يتفق الجميع على أن تعاطي المخدرات كثيراً ما يدفع المتعاطي الذي لا يكفي دخلة

لإشباع حاجته من الدواء المدمن لارتكاب الجرائم للإستيلاء على المال اللازم لشراء المخدر، وأن هذه الجرائم سرقة عادية قليلة الأهمية وقد تكون جرائم عنف، وتحدث هذه الجرائم خاصة عند ما يحل موعد تعاطي جرعة المخدر مع عدم توفر هذه المادة. ومما لاشك فيه أن قيادته للمركبة خطراً عليه وعلى الآخرين الذين يركبون معه نفس المركبة أو الذين يركبون معه نفس المركبة أو الذين يركبون مركبات أخرى. عصابات الإتجار غير المشروع في المخدرات تتسم بالشراسة وهي لا تسمح لأحد أفرادها بالإنفصال عنها، وإذا حدث هذا فإنها تقوم بالتنكيل به وبأفراد أسرته أيضاً، وفي بعض الأحيان يكون الموت جزءاً لمن يبادر بالإبلاغ عن أحد أفرادها. وتقوم حتى يسمحوا لهم بزراعة النباتات المخدرة، وكذلك الاتجار فيها. وبالأموال الطائلة التي يحصل عليها كبار تجار المخدرات من جراء بيعهم لها يستطيع هؤلاء التجار الحصول على أقوى الأسلحة وأكثرها فتكاً ويستخدمون هذه الخدرات شراء ذمم العاملين في مجال العدالة الجنائية وخاصة أجهزة التحقيق والحكم بهدف حفظ قضايا المخدرات المتهم فيها بعض أفراد العصابة أو الحصول على أحكام بالبراءة في هذه القضايا.

6) البعد الدولي لقضية الإدمان :ـ

وللتصدي المنظمات الإجرامية التي تعمل في مجال إنتاج وتهريب المخدرات استفادت إلى أقصى مدى من تقدم علوم الإدارة وظهر ذلك جلياً من دقة تنظيمها وحسن إدارتها وعلاقات الطاعة القائمة بين منظمات الاتجار في أمريكا اللاتينية، ومنظمات الاتجار في الهروين في أماكن مختلفة من العالم، وقد حققت هذه المنظمات الإجرامية ثروات طائلة وبلغ حجم الأموال المتداولة في سوق الاتجار غير المشروع حسبما قدره الأمين العام للأمم المتحدة أمام قمة لندن عام 1990 بحوالي 500 مليار دولار سنوياً ( وكان المبلغ المقدر سنوياً عام 1987م هو 300 مليار دولار ) ويأتي هذا المبلغ في المرتبة الثانية بعد الأموال المتداولة في تجارة السلاح.

ويحتاج تجار المخدرات إلى واجهة نظيفة يخنفون خلفها، ويتأتى ذلك لهم بغسيل أموالهم في أحد البنوك الأجنبية في دول معينة ( مثل بنما، الباهاما، جزر كيمان، سويسرا، هونج كونج، والإكوادور ).
 
وتستخدم أرباح تجارة المخدرات لتحويل الأنشطة الإجرامية الأخرى، وإقامة المشروعات التجارية الناجحة.
 
وحالياً أصبحت موسكو قلب الأمبراطورية الجديدة لتجارة المخدرات وذلك بعد انهيار النظام الشيوعي، الأمر الذي خلق مافيا جديدة للمخدرات، كما تحولت روسيا إلى مركز لتنظيف أموال المخدرات.

أما مراكز إنتاج المخدرات فتنتشر في معظم دول الكومنولث ودول البلطيق.
 
 
 
وللتصدي لمشكلة الإدمان يجب علينا :

1)  أن ندرس كل أسباب الإدمان ودوافعه، ونحاول أن نطبق ما لدينا من معلومات لمنع الوقوع في بحر الإدمان، كما أننا يجب أن نهتم ببناء مستشفيات أخرى جديد وحديثة ومتخصصة في علاج المدمنين .

2)  أن ندعم المستشفيات والمصحات القائمة على علاج المدمنين بكافة الإمكانيات والمعلومات اللازمة لعلاج للمدنين .

3)  أن نهتم بما يجري داخل مدارسنا وجامعاتنا حيث أن الدراسات قد أثبتت أن حوالي 17% من الشباب الجامعي قد أنخرط في سلك الإدمان .
 
4)  أن تقوم المدارس والجامعات برعاية طلابهم ومراقبة سلوكهم، ذلك لأن الاتجار بالمخدرات قد إنتقل إلى صفوف التلاميذ، وأن بيع المخدرات يتم داخل المدارس وفي الحرم الجامعي نفسه.

5)  كل أجهزة الدولة مسؤولة عن تسلل الإدمان إلى بلادنا، وبناءً علية فإن على هذه الأجهزة دور في وقاية الشباب من الوقوع في دائرة الإدمان، وإذا ما وقع الشباب بالفعل في الإدمان، هنا يأتي دور مؤسسات وأجهزة الدولة في علاج المدمنين، ونقصد بأجهزة الدولة وزارة الداخلية، والقوات المسلحة ووزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة التعليم بمدارسها وجامعاتها، وجهاز الشباب والرياضة والأندية الرياضية والاجتماعية، ومراكز البحوث العلمية والاجتماعية، وجمعيات الأطفال والرعاية والمتكاملة.
 
6)  البيت العربي أيضاً له دور في رعاية أبنائه ومراقبة سلكهم لحظة بلحظة لملاحظة أي سلوك غريب قد يكون دليلاً على تعرض أبنائهم للوقوع تحت تأثير المخدرات ولا بد من وضع خطة طوارىء رادعة على مستوى العالم العربي لمحاربة وتجنب أخطار الإدمان يكون جزء كبير منها على المستوى الوقائي تمنع الإنخراط في صفوف المجرمين والأعداء وذلك برفع مستوى التوعية والمعرفة والإلمام عن أخطار كارثة الإدمان .
 
7)  المؤسسات التشريعية أيضاً لها دور حيوي في سن القوانين الرادعة للمدمنين وتجار السموم البيضاء والسوداء، فالمهرب والتاجر جزاؤهما "الإعدام" دون أن تأخذنا بهم رحمة وشفقة وذلك لأنهم يتسببون في إحتلال ملايين الأفراد من المجتمع، كما يتسببون أيضاً في إصابتهم بالجنون أو الإنتحار أو تحولهم إلى مجرمين .
 
 
 
 
 
                       

 

 

* لتعرف اكثر عن الموضوع تحدث مع طبيب الان .

شارك المقال مع اصدقائك ‎
مشاركة عبر ‎:


صيدلاني
1 2 4