إضاءة على الاضطرابات المزاجية عند الأطفال

إضاءة على الاضطرابات المزاجية عند الأطفال

الدكتور جابي كيفوركيان
2012-05-03

يشعر معظم الأطفال، من حين الى آخر، بالقلق والحزن والغضب والانزعاج. وهذا كله، ببساطة، يشكل جزءاً من النمو والتطور الطبيعي لهؤلاء الأطفال. غير أنه في بعض الأحيان تتطلب هذه الأعراض الاهتمام والتقييم، فقد يكون سببها أعمق من ذلك يتعدى التطور الطبيعي.

وفي ما يلي سنسلط الضوء على بعض أسباب الكربStress  والاكتئاب Depression عند الأطفال، والعلامات والأعراض الخاصة والمميزة لها، وكيفية تقديم يد المساعدة لهؤلاء الأطفال.

ويلاحظ أن بعض الأطفال يعبر عن مشاعره ومعاناته بالكلام والحديث، غير أن البعض الآخر يعبر عن شعوره عبر سلوكيات مزاجية قد يصعب السيطرة عليها.

وفي حال عدم استمرار هذه المشاعر (الأزمة) طويلاً، وفي حال تمكن الطفل من التعامل معها بسهولة، والتكيف مع متطلبات الحياة اليومية، فإن ذلك يجب أن لا يشكل قلقاً للأهل وأولياء الأمور.

ومع ذلك، نرى أنه في بعض الحالات تشكل المشاكل المزاجية التي يمر بها الطفل خطراً على مستقبله. وبتعبير آخر، أستطيع القول إن هذه المشاعر والصعوبات قد تؤدي الى مضاعفات واضطرابات خطرة في المستقبل.

ومن المهم ذكره، أن الأطفال والمراهقين حساسون جداً لما يدور من حولهم، وفي حال عدم تقديم الدعم المعنوي الصحيح لهم، فقد ينتابهم القلق والانزعاج من التأثيرات السلبية للمواقف والحالات والمشاكل التي يتعرضون لها، ويجدون صعوبة في التعامل معها.

وكل شخص منا (مهما كان عمره) بحاجة للدعم المعنوي إذا تعرض لصعوبات نفسية-وجدانية.

 

القارئ الكريم،

مما جاء سابقاً، أستطيع القول إنه في حال تعرض أي شخص من المقربين لك لصعوبات ومضاعفات نفسية تتعدى الطبيعي، يجب تشجيعه على التكلم والفضفضة عن نفسه.  وقد يتطلب الأمر استشارة طبيب العائلة لتلقي النصائح والإرشادات الطبية والمهنية، والذي بدوره قد يحول الطفل الى طبيب نفساني، إذا استدعى الأمر.

وعندما يكون الطفل منزعجاً ومضطرباً نفسياً، فإنه من الصعب التنبؤ بسلوكياته وردود فعله، التي يمكن تلخيصها بما يلي:

  • قد يلاحظ على الطفل الخوف والغضب والسلوك العدواني.
  • قد يصبح الطفل مكتئباً (سيأتي ذكر الأعراض لاحقاً)، وقد يحاول إيذاء نفسه.
  • يفقد الطفل القدرة على التعامل مع متطلبات الحياة اليومية.

وأما أبرز الأسباب والعوامل التي تؤدي الى إصابة الطفل بالاكتئاب، فيمكن إيجازها بما يلي:

  • تغييرات كيميائية في الدماغ (انخفاض مستوى "السيروتونين" Serotonin و "النورأدرينالين" Noradrenaline).
  • فقدان أحد الوالدين (أو كليهما). أو فقدان شخص عزيز بسبب الوفاة، أو السفر أو الطلاق.
  • مشاكل في المدرسة، مثل: الخوف من الفشل، أو علاقة سيئة مع المدرس/ة.
  • إصابة أحد الوالدين (أو كليهما) بالاكتئاب أو القلق.
  • وجود خلاف مستمر وعدم انسجام داخل العائلة الواحدة. وقد يكون مصحوباً بعنف وإيذاء (جسدي أو نفسي أو جنسي) من قبل أحد الوالدين تجاه الآخر.
  • الشعور بالوحدة أو التهميش.
  • فقدان (نفوق أو ضياع) حيوان أليف مفضل لدى الطفل.
  • زواج جديد لأحد الوالدين (زوج الأم، زوجة الأب).
  • تعرض الطفل للتعدي والإيذاء الجسدي أو الجنسي أو النفسي أو الإهمال.

وهنالك أسباب قد يستخف بها الأهل، غير أنها قد تكون شديدة الوقعة على الطفل، وبالتالي قد تصيبه بالاكتئاب، مثل: الانتقال الى بيت وجيرة جديدة، الانتقال الى مدرسة جديدة، فقدان لعبة أو شيء مفضل عند الطفل، ولادة طفل جديد، أو وضع الطفل تحت رعاية أناس غرباء. كل هذه العوامل قد تؤدي الى اضطراب في سلوكيات الطفل، مثل التبول اللاإرادي (نهاري أو ليلي) التغوط اللاإرادي، مص الإبهام ونتف الشعر، أحلام مزعجة وكوابيس.

وأما الأعراض والعلامات والنسبة الانتشارية للاكتئاب فتقسم حسب الفئة العمرية كالآتي:

  • سن ما قبل دخول المدرسة:  في هذه السن يكون الطفل المكتئب كثير البكاء، ويفقد رغبته وشهيته للأكل، ويستيقظ مراراً خلال الليل. وقد يعاني من الأحلام المزعجة والكوابيس، إضافة الى كونه لحوحاً ولجوجاً ومخرباً.

وفي بعض الأحيان نلاحظ تدهوراً أو تباطؤاً في النمو والتطور الجسدي والعقلي للطفل المكتئب. ويلاحظ عودته لممارسة عادات وسلوكيات غير صحية، كان قد تخلى عنها منذ فترة وجيزة مثل: التبول اللاإرادي ومص الإبهام وعدم التحكم بالغائط.

وتبلغ النسبة الانتشارية للاكتئاب عند الأطفال في سن ما قبل دخول المدرسة في الولايات المتحدة الأمريكية 0,9 في المئة، في حين تبلغ هذه النسبة في قطاع غزة والضفة الغربية في فلسطين نحو 1,5 في المئة (ثابت، كيفوركيان 2011).

  • سن دخول المدرسة: في هذه السن قد يفقد الطفل الاهتمام والاستمتاع باللعب، ويرفض الذهاب للمدرسة. وقد يصاب بالتهيج والعدوانية، ويصعب السيطرة عليه.

وقد يفقد الثقة بالذات، ويصبح لا مبالياً بحيث لا يهتم للأمور التي تدور من حوله. وقد يفقد القدرة على التعبير عن معاناته بالكلام، لذلك يلجأ للتعبير عن مشاعره ومعاناته بسلوكيات غير سوية، مثل: السرقة والتهرب من أداء واجباته المدرسية.

وتبلغ النسبة الانتشارية للاكتئاب عند الأطفال في سن دخول المدرسة في الولايات المتحدة الأمريكية 1,9 في المئة، في حين تبلغ هذه النسبة في قطاع غزة والضفة الغربية في فلسطين نحو 3,9 في المئة (ثابت، كيفوركيان 2011).

  • سن المراهقة: ومن أبرز أعراض وعلامات الاكتئاب لدى وصول الطفل إلى مرحلة المراهقة، هي: عدم التركيز في الواجبات الملقاة على عاتقه، وعدم التمتع والاهتمام بالدراسة والعمل والهوايات التي كان عادة يحبها. ويصبح منعزلاً وحزيناً، وقد يقضي معظم وقته ملازماً للفراش (دون أن ينام).  وقد يعاني من علامات جسدية (ألم وإرهاق..) في بعض من أجزاء جسمه. ويهمل ذاته (النظافة والمظهر العام)، ويكثر من تناول الطعام، أو على النقيض يفقد شهيته للطعام. كذلك يفقد الثقة بالذات (تقدير الذات المنخفض). وقد يكثر من النوم أو يحرم من النوم المريح. وتسوء علاقته مع أصدقائه وأفراد عائلته. وقد يتمنى الموت، وأحياناً يحاول الطفل الانتحار، وقد ينجح في ذلك.

وتدوم هذه الصورة السريرية لمدة تتراوح من 6 - 9 شهور، غير أنها قد تدوم عند بعض الأطفال لمدة سنوات عدة.

وتبلغ النسبة الانتشارية للاكتئاب عند الأطفال في سن المراهقة في الولايات المتحدة الأمريكية 5,8 في المئة، في حين تبلغ هذه النسبة في قطاع غزة والضفة الغربية في فلسطين نحو 28,8 في المئة (ثابت، كيفوركيان 2011).

وتأسيساً على ما تقدم يمكن القول إن الأطفال الذين يعيشون في مناطق النزاع والحروب، هم الأكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب.

 

كيف نساعد الطفل المكتئب؟

من المهم جداً دعم الطفل وتعزيز ثقته بذاته. وكما ذكرت سابقاً، يجب تشجيعه على التكلم والفضفضة عن نفسه، إضافة إلى منحه الحب والحنان والعطف. وقبل البدء بالعلاج، يجب فحص وظيفة الغدة الدرقية Thyroid Gland، إذ أن إصابتها بأي خلل وظيفي قد يؤدي الى إصابة الطفل بالاكتئاب.

ويعالج الطفل المكتئب بواسطة العلاج النفسي Psychotherapy والعائلي والجماعي والفردي والسلوكيBehavioural Therapy والمعرفي Cognitive Therapy.

وقد يستوجب الأمر تناول الطفل الأدوية المضادة للاكتئاب، وكل حسب عمره، وحسب شدة حالته المرضية. إذ أنه من المعروف أن الحالات الخفيفة والمعتدلة من الاكتئاب، تستجيب جيداً للعلاج النفسي، في حين أن الحالات الشديدة تحتاج (إضافة الى العلاج النفسي) إلى تناول الأدوية المضادة للاكتئاب.

وفي حالة استجابة الطفل للعلاج، فإنه يجب الاستمرار به لمدة ستة أشهر (بعد الاستجابة الإيجابية للعلاج)، وبعدها نبدأ بتخفيف العلاج تدريجياً. وقد يحتاج بعض المرضى لتناول العلاج لعدة سنوات (من 2 – 3 سنوات).

* لتعرف اكثر عن الموضوع تحدث مع طبيب الان .

شارك المقال مع اصدقائك ‎
مشاركة عبر ‎:


استشاري طب العائلة
1 2 4