هل ابني ضحية التنمر أو البلطجة ؟

هل ابني ضحية التنمر أو البلطجة ؟

الدكتور جابي كيفوركيان
2013-11-13

وردني السؤال التالي من أم لأحد التلاميذ في احدى مدارس القدس:

بعد ابتداء السنة الدراسية بثلاثة أيام، بدأ ابني البالغ من العمر 15 عاماً يشكو من صداع وألم في البطن بشكل متكرر. وبعد مراجعة الطبيب واجراء الفحوصات المختلفة، بما فيها فحوصات شعاعية طبقية، تبين أن ابني سليم صحياً. غير أن الذي اقلقني كثيراً هو ملاحظتي في إحدى المرات وجود رضوض في منطقة ظهره. وعندما سألته عن ذلك قال لي انه وقع أرضاً أثناء لعب كرة القدم في المدرسة. غير أن حالة ولدي النفسية بدأت تصبح مشوشة، وأخذ مؤخراً يتكلم مع اخوته عن الانتحار، ما أدى الى استهزاء إخوته منه.

راجعت مدير المدرسة، وكان جوابه أنه لا توجد أية مشاكل تتعلق بابني في المدرسة، عدا أن أداءه الدراسي غير جيد.

إني أشك بأن ابني معنف من قبل زملائه، أو من قبل أحدهم في الصف أو المدرسة، وخصوصاً أنه بدأ يفقد مؤخراً وبصورة متكررة لوازمه القرطاسية.

ماذا يجب علي أن أفعل؟ وما هي أعراض التعنيف عدا العلامات الجسدية؟

******

قد يتعرض الطفل (ذكراً أو أنثى) للعنف والإيذاء الجسدي والنفسي والكلامي من قبل زملائه في المدرسة. غير أن تكرر هذه الظاهرة يكون هدفها إذلال أو مضايقة الطفل، وتصبح ظاهرة غير سوية تستدعي التدخل الاجتماعي – التربوي والنفسي أحياناً.

ومن الناحية العلمية هنالك مصطلحات عدة لظاهرة التعنيف هذه، هي: "البلطجة" أو "الاستقواء" أو "الاستئساد" (من أسد) أو "التنمر" (من نمر) والاسم العلمي لهذه الظاهرة باللغة الانجليزية هي Bullying.

ويسمى الشخص الذي يقوم بهذا الفعل بـ "البلطجي" أو "المستقوي" أو "المستأسد" أو "المتنمر". أما الشخص الذي يتعرض لـ "البلطجة" فيسمى "المستأسد" عليه أو الضحية، وهو أضعف شخصية من "البلطجي"، وقد يكون أضعف منه جسدياً، غير أن ذلك ليس شرطاً كي يكون الشخص عرضة للبلطجة.

وتأسيساً على ذلك يمكن تعريف "البلطجة" أو "الاستئساد"، بأنها سلوكيات عدوانية متكررة، طويلة الأمد، هدفها إيذاء شخص آخر جسدياً، أو نفسياً، والسيطرة عليه وابتزازه وإزعاجه بشتى الطرق.

كذلك يمكن تعريف "الاستئساد" بصورة عامة، بأنه عندما يتعرض شخص ما (في المدرسة أو الجامعة أو الحي السكني أو مكان العمل، أو على الانترنت..) للمضايقة والإزعاج مراراً وتكراراً من قبل شخص أو جماعة يملك أو تملك قوة أشد منه (قوة جسدية أو نفوذ اجتماعي).

وهنالك عوامل وأسباب عدة تجعل "البلطجي" يختار ضحيته، وهي: المظهر الخارجي، ضعف الشخصية، شخصية خجولة ومنعزلة، الدين، العنصر، الإعاقة..

وقد يقوم "البلطجي" بالاعتداء وتعنيف ضحيته جسدياً، مثل: القيام بدفعها أو يعترضها جسدياً أو يضربها أو حتى يعتدي عليها جنسياً.

وقد يقوم "البلطجي" بإيذاء الضحية، من الناحية النفسية، وذلك بتوجيه الإهانات الكلامية واللفظية لها، أو القيام بتهميشها أو استغابتها (قيل وقال)، أو بتوبيخها بطريقة ساخرة، أو الاستيلاء على مصروفها الشخصي أو ممتلكاتها الخاصة أو استثنائها من جميع النشاطات وعدم اللعب معها وتحريض باقي الأطفال على عدم الاختلاط بها وعزلها.

وقد يستخدم "البلطجي" التقنية المتقدمة للسيطرة وإذلال وإهانة واستغلال ضحيته، مثل اللجوء الى ما يسمى "البلطجة الإلكترونية" Cyberbullying وذلك بتوجيه الإهانات والإتهامات والمضايقة عبر الانترنت أو التصوير الخفي (دون علم الضحية) والإزعاج عبر الهواتف النقالة.

وهنا يجب أن أشدد على أن "البلطجة الالكترونية" آخذة بالازدياد، لذلك على الأهل وأولياء الأمور الانتباه لهذه الظاهرة الخفية.

 

وأشارت دراسات عديدة وحديثة إلى أن نسبة كبيرة من الأطفال ضحايا "البلطجة" يمتنعون عن التبليغ عن تعرضهم للإيذاء. وأشارت أيضاً إلى أن وجود أعراض وعلامات جسدية متكررة لدى الطفل دون وجود تفسير واضح لها، شائعة جداً لدى الأطفال ضحايا "البلطجة" بجميع أشكالها. ويجب تنبيه الأهل وأولياء الأمور والمدرسين الى وجود مشكلة ما تقف وراء ذلك.. قد تكون تعرض الطفل لـ "البلطجة" (أي يجب التفكير في هذا الاتجاه).

وأشارت دراسة صدرت نتائجها حديثاً، قام بها البروفسور Gianluca Gini من جامعة Padua في ايطاليا، شملت تلاميذ مدارس من 14 دولة، إلى أن الأطفال ضحايا "البلطجة" يعانون بنسبة الضعف من الأعراض المرضية، مقارنة مع باقي الأطفال. غير أن ضحايا "البلطجة" لا يفصحون عن سبب معاناتهم وأعراضهم، التي لا يوجد تفسير واضح لها.

ومن أكثر المعاناة والأعراض شيوعاً عند الضحايا، هي: صداع، ألم في مناطق البطن والظهر والرقبة والكتف، دوران (دوخة)، صعوبة بالتنفس، اسهال، غثيان وسلس البول الليلي (بول الفراش).

وكما ذكرت سابقاً، فإنه من الصعب أن يتكلم الطفل الضحية عن معاناته، غير أن توجيه الأسئلة المناسبة والذكية والمهنية له، قد تساعده على الإفصاح والفضفضة. فمثلاً، سؤال الطفل إن كان يشعر بالأمان في المدرسة، قد يساعده على الانفتاح وكشف الأمور أحياناً.

كذلك فإن الانتباه، أو ملاحظة أو السؤال عن توقيت هذه الأعراض المرضية قد يساعد على الكشف عن الحقيقة. فمثلاً، قد يرفض الطفل الذهاب للمدرسة، أو أن الأعراض المرضية المذكورة سابقاً تبدأ بوقت قصير قبل مغادرة البيت الى المدرسة، أو حين وصول حافلة المدرسة الى البيت لتقله الى المدرسة.

وقد يعاني الطفل الضحية من أعراض الاكتئاب الكلاسيكية، مثل: الحزن، فقدان الشهية للأكل، عدم التركيز، أرق، تقدير الذات المنخفض، وهن وتعب، وأحياناً هياج وعصبية، تراجع في الأداء الأكاديمي، انعزال، أحلام مزعجة وكوابيس، فقدان الثقة بالذات، كثرة الحديث عن الانتحار، أو محاولة الانتحار، وأحياناً قد ينجح في ذلك.

وعليه اسألي طفلك: كيف كان يومك؟ مع من لعبت ومع من تناولت طعامك في المدرسة؟

وقومي بمراقبة طفلك (أو طفلتك) وتأكدي من خوفه عندما يدق جرس الهاتف، أو يمتنع عن فحص بريده الالكتروني.

راجعي مدير المدرسة، وخصوصاً مربي الصف والعاملة الاجتماعية، واستفسري منهم عن سلوكيات طفلك داخل الصف وداخل المدرسة، المتمثلة في الانعزال وعدم المشاركة النشطة في الفعاليات المدرسية، وتكلمي أيضاً إلى زملائه في الصف (مع أن العديد من الدراسات أشارت الى أن زملاء الضحية يمتنعون عن إعطاء معلومات بهذا الخصوص، خوفاً من أن يتعرضوا هم أيضاً للعنف من قبل التلميذ أو التلاميذ "البلطجية"). وأما في حال وجود أفكار انتحارية، فيجب عرضه على طبيب نفساني في اسرع وقت ممكن.

ويكمن العلاج في تشخيص الحالة أولاً، ومن ثم ردع "البلطجي" والعمل على إصلاح سلوكياته غير السوية بطريقة مهنية - تربوية. ودعم الضحية من الناحيتين النفسية والعاطفية، والعمل على تعزيز ثقته بنفسه، إضافة الى قيام الاختصاصيين الاجتماعيين بتوعية التلاميذ والطلاب والمجتمع بشكل عام عن ظاهرة "البلطجة" وتداعياتها الخطيرة.



* لتعرف اكثر عن الموضوع تحدث مع طبيب الان .

شارك المقال مع اصدقائك ‎
مشاركة عبر ‎:


استشاري طب العائلة
1 2 4