- أعلنت منظمة الصحة العالمية في تقرير لها صدر العام الماضي أن سكان العالم يتجهون إلى الشيخوخة بوتيرة سريعة، على الرغم من ازدياد المدى الزمني للأعمار، بفضل الاكتشافات الطبية الحديثة، ورقي خدمات الرعاية الصحية.

 

- من المعروف أن الشيخوخة تبدأ لدى الثدييات عموماً، ولدى الإنسان خصوصاً، في نهاية حقبة العقد الرابع، وتنتج عن بلوغ خلايا الجسم مرحلة معينة تبدأ بعدها في مرحلة جديدة تتسم بالتراجع. ولا يمكن تغيير مميزات المرحلة الجديدة حتى مع تناول الأغذية المضادة للأكسدة والأدوية التي يقول عنها مروجوها إنها تقاوم الشيخوخة. فمن الناحية العملية لا يمكن تأخير الشيخوخة، ولا حتى مع ممارسة الرياضة، على الرغم من فوائدها المتعددة. (للمزيدالشيخوخة: صديقة أم عدوّة؟)

 

- ملامح الشيخوخة تبدأ في أواخر الثلاثينات من العمر، حتى وإن لم تظهر على الإنسان أية أعراض تؤكد ذلك، إلا أن عملية تجديد الخلايا التي تتم أثناء النوم تتراجع عند هذه السن، وربما يظهر ذلك أكثر على أنسجة الجلد، عبر التجاعيد والبقع، كما تظهر سلوكيات مختلفة عليه، وقد يتراجع أداء الذاكرة وتبدأ خشونة الركبة. والسبب المؤكد وراء هذه الظواهر هو انخفاض فعالية هرمون الشباب الذي يسمى "المايلين" المسؤول عن تنظيم عمل الخلايا وإظهارها بصورة شبابية ومشرقة.

 

- وقد حاول العلماء تجديد حيوية الجسم عبر إنتاج هذا النوع من الهرمونات لتأخير أعراض الشيخوخة، غير أن العناصر الطبيعية هي الوحيدة القادرة على إنجاز ذلك، مثل الفيتامينات الموجودة في الفاكهة والخضراوات والمعادن والأملاح التي يتضمنها الماء، وكذلك حمض الفوليك وغيره من الأحماض الدهنية الأساسية اللازمة للحفاظ على الشباب.

 

- يشير الخبراء إلى وجود اختلاف كبير في البناء الهرموني بين الرجال والنساء، ويؤثر هذا البناء في حدوث الشيخوخة بصورة أسرع لدى النساء. وعلى الرغم من أن منظمة الصحة العالمية وضعت سناً محددة لشيخوخة الرجال في سن الستين إلا أنه من الناحية العملية تظهر أعراض الشيخوخة على النساء في سن الثلاثين. ومن أبرز مظاهر الشيخوخة لدى الرجال تراجع الرغبة في النوم، وتناول كميات أقل من الطعام. ويختلف الأمر لدى النساء حيث تتراجع خصوبة المرأة في سن الأربعين إلا أن ذلك لا يمكن اعتباره سن الشيخوخة.

 

- وأعرب العديد من العلماء عن دهشتهم من الطاقة التي تظهر لدى الرجال في سن الأربعين، والتي تستمر إلى ما بعد الستين. وتظهر هذه الطاقة في أشكال مختلفة، منها على سبيل المثال، بحث بعض الرجال عن عمل بعد التقاعد، ومنها أيضاً القيام بنشاط بدني، أو ممارسة الرياضة بعد سن الستين. وعمد البعض منهم، ممن تجاوز الستين عاماً إلى إظهار القدرة على التحمل وإنجاز بعض المهام التي تحتاج إلى المشقة والصبر والطاقة بصورة أفضل من بعض الشباب.

 

مظاهر الشيخوخة

- تلجأ بعض الحكومات إلى إسناد مهام وظيفية شاقة إلى بعض المسؤولين ممن تجاوز سن الستين. ففي بريطانيا أظهرت دراسة حديثة أن المتقاعدين يفضلون الأعمال اليدوية، ويختارون المهام التي تتطلب النشاط الجسماني. وحتى إذا لم يكن المتقاعد من ممارسي الرياضة عموماً إلا أنه يبادر إليها بعد إحالته للتقاعد مستهدفاً المحافظة على لياقته البدنية. وفي أسوأ الظروف إذا لم تسنح له فرصة ممارسة الرياضة فإنه يفضل القيام بأنشطة منزلية، مثل رعاية الحديقة أو غسل السيارة أو متابعة الأحفاد لدى لعبهم أو ممارستهم الرياضة. (للمزيدطب الشيخوخة بين التطور والحاجة)

 

- ولا يمكن وضع مفهوم واحد للشيخوخة، ولكن تتعدد المفاهيم التي تشير إلى ذلك. فمن الناحية الطبية، الشيخوخة ليست مرضاً، كما أن اختلاف أداء الجسم من الناحية الفسيولوجية ليس له علاقة بالعمر، والدليل على ذلك، كما يقول أصحاب هذا الاتجاه، أن بعض الشباب تصيبهم أمراض في المعدة والقولون والإثني عشر، بينما يمكن أن يصل بعض المسنين إلى سن 80 عاماً بلا أية مشكلات صحية.

 

- ويتعلق الأمر، كذلك، باللياقة العقلية، فالشيخوخة تظهر لدى المسنين من الناحية العقلية في صورة تراجع في طريقة التفكير، وفي الربط بين المعلومات والمقارنة بين الأفكار بعضها ببعض. وعلى سبيل المثال لا يدرك شخص في عمر 70 عاماً حالياً الفارق ما بين "الآيباد" والهاتف المتحرك، إلا إذا كان عاملاً في هذا المجال. إذاً الأمر يتعلق بتحليل الفكرة ومقارنتها بغيرها.

 

- ولا تتعرض المخزونات الفكرية المرتبطة بالمهنة، أو التدريبات الراقية، لأضرار في سن الشيخوخة، فالطبيب يستطيع المحافظة على لياقته العلمية لتقديم المشورة الكبيرة إلى مرضاه، على الرغم من بلوغه سن الشيخوخة، إلا أن إصابة الذاكرة بعطب نتيجة مرض الزهايمر يعني فقدان اللياقة المتعلقة بتخزين واسترجاع المعلومات، وبالتالي يعتبر ذلك من أهم مظاهر الشيخوخة. وحسب التقديرات العالمية فإن 20 في المئة ممن تجاوزوا سن الستين مصابون بالزهايمر، بينما ترتفع النسبة بين من تجاوزوا سن الثمانين إلى 50 في المئة.

 

- وتعتبر شيخوخة الخلية هي المعيار الذي يشير إلى تراجع الأجهزة الحيوية في الجسم. ومعروف علمياً أن الجسم يقوم تلقائياً بتجديد خلاياه خلال النوم، ولعل ذلك يفسر تراجع عدد ساعات النوم لدى المسنين إلى أربع ساعات يومياً أو أقل، والسبب في ذلك أن الجسم لم يعد بحاجة إلى تجديد خلاياه.

 

- وأهم المظاهر المصاحبة للشيخوخة يمكن ملاحظتها في أداء الجهاز الحركي. فبعد الوصول إلى سن 40 عاماً تبدأ الشكوى من وجود خشونة في المفاصل وآلام في العضلات تظهر عند ممارسة نشاط جسماني، أو عند التعرض لتيار من الهواء. ويفسر العلماء هذه الظاهرة بالتراجع الطبيعي للمادة الزيتية المسؤولة عن تسهيل حركة القطع الداخلية للمفصل، ما يؤدي إلى احتكاك أجزاء المفصل بعضها ببعض، مما يعرف بخشونة المفصل. ومن أبرز المفاصل التي تصاب بتلك الظاهرة مفصل الركبة، وتزداد الشكوى من هذه الظاهرة لدى النساء أكثر من الرجال نتيجة اختلاف البناء العضلي لكل منهما. (للمزيد: ما هو مرض خشونة المفاصل)

 

تأثير الشيخوخة على الجهاز العصبي

- يتأثر الجهاز العصبي كذلك بدخول مرحلة الشيخوخة، لأن الناقلات العصبية المسؤولة عن تحسين الاتصال بين مراكز المخ المختلفة تصاب بالتراجع، ما يؤدي إلى ظهور بعض الأمراض المرتبطة بالشيخوخة. ومن أبرز هذه الأعراض الاكتئاب الناتج عن نقص في مستوى هرمون السيروتونين، الذي يعتبر من أهم النواقل العصبية المسؤولة عن الإحساس بالتوازن النفسي. وعند الدخول إلى مرحلة الشيخوخة وإحساس الشخص بالعجز عن القيام ببعض المهام اليومية ينعكس ذلك عليه بظهور أعراض مرض الاكتئاب، خصوصاً إذا ترافق مع إهمال من جانب الأبناء أو أعضاء أفراد الأسرة.  (للمزيد: كيف تساعد المكتئب؟)

 

- وتصاب الأوعية الدموية، خلال فترة عملها الطويلة، بالتصلب الناتج عن تراكم بعض الدهون والبروتينات الضارة، ما يؤدي إلى الإصابة بمرض السكتة الدماغية، أو بالجلطات القلبية. وعلى الرغم من عدم ارتباط هذه الأمراض بالشيخوخة بنسبة كبيرة، إلا أن ذلك التراكم يصيب نسبة كبيرة من المسنين لأسباب لا ترتبط بالسن، ولكن بالممارسات والسلوكيات الغذائية الخاطئة مثل الإسراف في تناول الدهون والمواد السكرية والأملاح، خصوصاً ملح الطعام والمشروبات الغذائية واللحوم المصنعة، علاوة على قيام البعض بإهمال قواعد الصحة العامة بالإقبال على التدخين، أو بسبب التوتر العصبي أو الإصابة بالسمنة.

 

- وترتبط الشيخوخة كذلك بعدد من الظواهر المرتبطة بطبيعة الشخصية. فعلى سبيل المثال إذا كان الشخص عصبياً بطبيعته، خلال مرحلة ما قبل الشيخوخة، فإن ذلك يعني بالضرورة أنه لن يتخلى عن هذا السلوك خلال مرحلة ما بعد الستين، بل على العكس فسوف تزداد عصبيته. والشخص المدخن إن لم يقلع عن هذه العادة في مرحلة الأربعينات من العمر فربما يضطر للإقلاع عنها في مرحلة الستينات وسيكون الأمر أصعب بالنسبة إليه. 

 

- ويحتاج المسن إلى رعاية خاصة من جانب المحيطين به تختلف باختلاف الدوافع الثقافية والعلمية والاجتماعية السائدة في المجتمع. ففي الأوساط ذات المستوى التعليمي والثقافي المرتفع يفهم المحيطون بالمسن طبيعة احتياجاته ويبادرون إلى تلبية متطلباته النفسية والجسمية، ومن أبرزها إجراء الفحص الدوري والفحوص الطبية الخاصة كل ستة شهور لتجنب الإصابة بالمشكلات الصحية. وعلاوة على ذلك فإن أحداً من أفراد الأسرة يجب أن يهتم بصورة مباشرة باحتياجات المسن، إذ من المعروف أنه معرض لارتفاع في ضغط الدم إذا تناول نوعاً من الطعام يحتوي على نسبة عالية من ملح الطعام، ويفرض ذلك واجباً أسبوعياً ربما يقوم به الحفيد أو الابن أو حتى الخادمة يتمثل في قياس ضغط الدم، وتسجيل ذلك في دفتر خاص للاطلاع عليه في حالة ارتفاع ضغط الدم لاحقاً لأي سبب من الأسباب.

 

- ويتعرض المسنون إلى مشكلات ترتبط بأداء الجهاز الحركي، وبخاصة العظام التي تتعرض عند الشيخوخة للإصابة بالترقق أو الهشاشة نتيجة الاختلالات الهرمونية التي تحدث في الجسم، خلال هذه المرحلة، غير أنها تتضح بصورة أكبر لدى النساء، خصوصاً عند بلوغ سن اليأس نظراً لتوقف المبيضين عن إفراز هرمون الأستروجين، وهو الهرمون الأنثوي الذي يعزز أداء العظام ويحافظ على قوتها، ما يستلزم المحافظة على العظام بتناول مادة الكالسيوم التي تدعم قوة العظام. ولكن يجب ألا يتجاوز هذا الأمر النسب الدولية المتعارف عليها نظراً لأن ارتفاع معدلات الكالسيوم في الجسم يضر الكليتين، ويتطلب الأمر مراجعة الطبيب للحصول على الإرشادات اللازمة لاستخدام العقاقير والمستحضرات التي تحتوي الكالسيوم.

 

- ويحتاج المسن عند بلوغه سن 70 عاماً إلى معاملة خاصة حيث إنه يعود من الناحية النفسية إلى طفل صغير، ما يستوجب حرص المحيطين به لهذا الأمر ومعاملته معاملة تتضمن الحنان والاستماع الجيد إلى آرائه ومقترحاته من دون تأفف أو ضجر آخذين في الاعتبار أن أغلبية سلوكيات الشيوخ يغلب عليها طابع العناد، ما يقتضي التعامل بصبر واهتمام إلى ما يريده الشخص المسن.

 

- ومعظم أمراض الشيخوخة تحتاج إلى رعاية خاصة. فعلى سبيل المثال، فإن ضمور الفص الجبهي للمخ يؤدي إلى التطرف المزاجي الحاد لدى المسنين، ويمكن إدراك ذلك عندما يصاب المسن بحزن شديد عند تلقيه لخبر لا يرقى إلى ذلك المستوى من الحزن، أو على العكس ربما يبالغ في الضحك على طرفة يراها المحيطون به عادية ولا تستدعي الضحك. وعلى الرغم من التراجع الواضح في أداء الجهاز العضلي والحركي، إلا أن المسن يظل واثقاً من قدرته على التحدي، فإذا حاول شخص ما مساعدته على الوقوف ليقينه من عدم استطاعته على الوقوف وحيداً، فإن المسن يرفض بشدة ويصر على خوض التحدي، وإذا تطوع أحد ما لمساعدته على نقل المقعد من مكان لآخر فإنه يرفض بشدة ويصر على حمله بنفسه متحدياً قدرته الضعيفة وعضلاته الواهنة.

 

- ولا يعترف المسن في الغالب بضعف حواسه مع دخوله إلى مرحلة الشيخوخة، فيصر مثلاً على قيادة السيارة على الرغم من أنه يستطيع بالكاد أن يبصر متراً واحداً إلى الأمام، كما يصر على القيام بالأعمال الشاقة في داخل المنزل على الرغم من أنه لا يجيد ذلك، ويبادر إلى مساعدة أحد أبنائه على حياكة ثوبه على الرغم من ارتعاش يديه.واستطاع العلم الحديث توفير رعاية طبية خاصة لفئة المسنين تبنى على الفهم الواضح لمسألة شيخوخة الخلايا البشرية، وانطلاقاً من هذه النقطة استطاع الطب إيجاد العديد من الحلول للمشكلات المرتبطة بالسن.